تمسّك بالحياد أم إعادة اصطفاف أم إعادة تموضع؟ - سركيس نعوم (النهار)
اثار سياسي ماروني بارز قبل مدة مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان موضوع تمثيل الخاسرين في الانتخابات النيابية في الحكومة الجديدة وفي مقدمهم طبعاً الوزير في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل. وكان موقف الرئيس واضحاً برفضه توزير هؤلاء لأسباب متنوعة، الأمر الذي شجع السياسي المذكور على الاسترسال في معارضة هذا التوزير وابراز سيئاته في وسائل الاعلام. وهو كان واضحاً ايضاً في هذا الموضوع مع رئيس الوزراء المكلّف النائب سعد الحريري على الأقل اثناء التكليف الأول الذي استمر 73 يوماً. لذلك كله فوجىء السياسي الماروني وجهات سياسية اخرى مطلعة بتغيير سليمان موقفه المذكور في مقابلة صحافية اجرتها معه الزميلة "الحياة" في نيويورك. ويبدو ان تغيير الموقف من توزير الخاسرين لم يكن الأمر الوحيد المفاجىء للزميلة التي اجرت المقابلة راغدة درغام. ذلك ان إصراره وان بلغة ديبلوماسية ولكن حازمة وجازمة على نفي وجود اي تدخل خارجي في لبنان دفعها الى "حشره" بالاسئلة او محاولة حشره بها. وكاد ان يدفعه ذلك الى عدم اكمال المقابلة مرتين استنادا الى مصادر مطلعة جداً ليست الزميلة درغام من بينها.
ما هي اسباب تبدّل موقف رئيس الجمهورية من توزير الخاسرين في الانتخابات؟ وما هي اسباب نفيه الشديد وجود أيّ تدخل خارجي وتحديداً سوري وايراني سواء في الازمة الحكومية او في لبنان كلا؟
يعتقد بعض الجهات السياسية في البلاد ان الرئيس سليمان واقعي ويعرف ظروف لبنان بدقتها وخطورتها ويدرك ان حل مشكلاته الداخلية بتشعباتها الخارجية الآن صعبة جداً. ولذلك فانه لا يريد للأزمة الحكومية ان تتفاقم وتتحوّل ازمة نظام وصيغة وهوية ودور ووجود وكيان. وان يتسبب ذلك بتحول عدم الاستقرار السياسي عدم استقرار امني. ويعتقد انطلاقاً من ذلك ان المصلحة الوطنية تبقى اهم عند الرئيس من اقتناعه الشخصي واقتناعات الرئيس المكلف وآخرين. ولذلك قبل بتوزير خاسرين كما سبق له وللرئيس المكلف ان قبلا تكريس "اتفاق الدوحة" في الحكومة الجديدة وإن على نحو غير مباشر بدءاً بصيغة 15 + 10 + 5 وانتهاء بالثلث المعطل المموه المحسوب رسمياً على رئيس الجمهورية رغم تأكيد كثيرين ممن نحترم عدم صحة ذلك. ويعتقد البعض نفسه ثالثاً، ان مهمة رئيس الجمهورية في هذه المرحلة هي التقريب بين المختلفين بل جمعهم في اطار رسمي كي لا يبقى "خناقهم" في الشارع ويتحول تراشقاً بغير الكلام. ويعتقد رابعاً واخيراً ان نفي رئيس دولة لبنان تدخّل سوريا وايران، املته ضرورة وطنية لأن الاعتراف بالشيء ربما يساعد على قبوله والتعايش معه بل الخضوع له الآن والى ابد الآبدين.
الا ان لبعض آخر من الجهات السياسية جواباً مختلفاً. فهو يعتقد ان رئيس الجمهورية قرر اجراء اعادة تموضع لموقفه في الداخل ومع الخارج الممسك بالداخل. فهو مع علاقات متكافئة ومميزة مع سوريا وليس مع سيطرتها على لبنان من جديد. وهو مع المقاومة الاسلامية التي حررت لبنان من الاحتلال الاسرائيلي ومع استراتيجيا دفاعية تقودها الدولة وتشترك فيها المقاومة ولكنه ليس مع تحوّلها دولة داخل الدولة او على حساب الدولة. وهو مع تعزيز صلاحيات الرئاسة ولكن على نحو لا يستفز "الشعوب" الاخرى ويجدد حساسياتها. وهو ليس ضد ايران الاسلامية لكنه ليس مع تحوّل لبنان ساحة لمواجهة بينها وبين العالم. وهو مع دور اميركا واوروبا ولكنه ليس مع تحوّل بلاده دولة تدور في فلكهما. وهو مع سيادة لبنان واستقلاله وديموقراطيته لكنه يعلم ان ذلك لا يعني استباحة امن الجيران وخصوصاً الاشقاء. هذه المواقف كلها وجد صاحبها في ظل اختلال ميزان القوى الداخلي لمصلحة 8 آذار وراعييه الاقليميين وانحسار التأثير العربي غير السوري في لبنان ان عليه، لكي "يُقَطِّع" الامور اثناء ولايته كونه لا يستطيع ان يكون حاكماً لاعتبارات عدة ولئلا تنهار البلاد، الاصطفاف ولكن في صورة تدريجية مع الذين "طبش" ميزان القوى لمصلحتهم محلياً واقليمياً ودولياً. وبذلك يرتاح ويريح الاقوياء المشككين فيه أو الخائفين منه. اما الذين يقلقهم هذا الامر من اللبنانيين فسيحاول دائماً تبديد قلقهم ونصحهم بـ"الواقعية" تلافياً لتهوّر قد يوصل الى الانتحار.
أيّ من الاعتقادين أصح من الآخر؟
لا يمكن اعطاء جواب مباشر عن هذا السؤال. ما يمكن فعله هو الاشارة الى ان رئيس الجمهورية في الظروف الراهنة لا يمكن ان يكتفي بنزاهته وآدميته ووطنيته وحياده وامتناعه عن اتخاذ المواقف الضرورية المكلفة. فهو لا يستطيع ان يبقى على الحياد وان ينتظر نتيجة الصراع الداخلي الاقليمي الدولي الدائر كي يتخذ موقفاً في ضوئها، لانها ربما تكون ايذاناً بانتهاء البلاد التي هو رئيس لها. ولا يستطيع ان يقف مع فريق ضد آخر علماً انه يستطيع ان يؤيد الموقف المحق عند اي منهما من كل قضية. وما يمكن قوله ايضاً هو ان عليه ليس الاصطفاف مع هذا او ذاك بل اجراء اعادة تموضع لموقعه في ضوء مبادرات وتحركات شجاعة يصارح بها سوريا وايران و8 آذار و14 آذار واميركا وشعبه او شعوبه والعالم ويعلن تصميمه على متابعتها حتى النهاية. وضروري ان تطمئن هذه المبادرات من يخيفهم لبنان ولذلك فانهم يتعمدون ابقاءه في حالة الخوف منهم وان تطمئن اللبنانيين الخائفين والآخرين الذين يتصنعون الخوف الآن لأن قوتهم "لا تُقهر" ولكن الذين قد يصبح خوفهم حقيقياً في المستقبل. فهل يفعل؟ الله اعلم.