إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تهويد القدس هو الأمر الواقع - رندة تقي الدين (الحياة)

أحداث يوم الأحد في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس بين مصلّين فلسطينيين ومجموعة من اليهود المتطرفين تعكس واقع الأرض الفلسطينية المحتلة ورفض النظام الإسرائيلي وغالبية الشعب اليهودي للشعب الفلسطيني. فهل يتصوّر أحد ما يمكن ان يكون رد فعل العالم لو كان حصل العكس مع مجموعة من المسلمين تأتي للتحريض والتحدي مثلاً في كنيس أو قرب أي معبد يهودي؟ لكانت قامت قيامة العالم ونظمت التظاهرات في كل المدن رافعة شعار "لا للعنصرية ضد اليهود". أما بالنسبة الى الشعب الفلسطيني وأماكنه المقدسة، فإن التحريض اليهودي، مثلما شهدنا يوم الأحد في ساحة المسجد الأقصى حيث قمع الجيش الإسرائيلي المتظاهرين المسلمين، يبدو طبيعياً في نظر الغرب الذي يسامح نفسه على ارتكاب المحرقة بحق اليهود بذنب آخر تجاه شعب فلسطيني غير معني بذنب المحرقة وهو يُعاقب كأنه مسؤول عنها.

وحالياً تُهود مدينة القدس ولا أحد يتحرّك، والعالم العربي ساكت أمام مسار بالغ الخطورة. وكم هو مذل أن يروي زائر للقدس كيف ان مسنين فلسطينيين يجتازون الجدار الذي أقامته الحكومة الإسرائيلية ليصلوا الى المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة تحت حراب البنادق الإسرائيلية. وفي المقابل تقول سيدة فلسطينية في الثمانين من عمرها وهي تقفز بصعوبة عبر الحائط كل يوم جمعة أنه مهما حدث ستجتاز كل العوائق وعمليات الاذلال للصلاة يوم الجمعة في المسجد الأقصى.

فسياسة الاستيطان الإسرائيلية المستمرة في القدس الشرقية تؤدي في شكل متسارع الى تهويد هذه المدينة التي تعد مركزاً أساسياً للديانات الثلاث الكبرى. وحالياً هناك أكثر من 185 ألف يهودي في القدس الشرقية إضافة الى مغادرة كثيفة لمسيحيي القدس منها. ويرصد مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة مخططات استيطانية توسعية في القدس الشرقية، يرافقها تغيير اسرائيلي لمعالمها، وتبقى مطالبة العالم كله بوقف الاستيطان مجرد نداء ومطالبة من دون عقاب ومن دون أي ضغط حقيقي.

لقد هلّل العالم العربي لانتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، وطالب اوباما اسرائيل بحزم بوقف الاستيطان، إلا أن هذا الحزم الذي ظهر في البداية بدأ يتراجع لأن رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو استعاد تأثيره في اللوبي اليهودي الأميركي الذي كان بدأ يستاء من سياسة إسرائيل.

ما يحدث في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة يُظهر ان إسرائيل لن توافق يوماً على اقامة دولة فلسطينية الى جانبها، وساذج من اعتقد في الغرب ان خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الأول لدى تسلمه رئاسة الحكومة كان يحمل أي أمل بالسلام وإنشاء دولة فلسطينية.

فعمليات الحفر الإسرائيلية التي تجري لإنجاز نفق طوله مئة متر في منطقة حمام العين في الحي الإسلامي في القدس القديمة نحو المسجد الأقصى، والحفريات التي تجريها السلطات الإسرائيلية في نفق حائط المبكى تحت الحرم الشريف تسببت بأضرار واضحة في الممتلكات المجاورة. وإسرائيل تحفر خندقاً بعمق 600 متر تحت مسجد عين سلوان ومنازل فلسطينية تحت إشراف سلطة الآثار الإسرائيلية لربط المستوطنين في سلوان بالحرم الشريف وقد اكتمل بناء 200 متر على الأقل من النفق.

في السنة الماضية أعدت بعثة من اليونسكو ضمت سفيري الأردن وفلسطين لدى المنظمة في باريس دينا قعوار والياس صنبر تقريراً حول الأوضاع الخطيرة في مدينة القدس وتغيير معالمها من جانب السلطات المحتلة. والسفيران يناضلان في منظمة التراث والثقافة للأمم المتحدة من أجل وقف هذا المسار لتهويد القدس. وتظهر جهودهما المشكورة حقيقة ما يحدث في القدس، ولكن هذه الجهود غير قادرة، لسوء الحظ، على تغيير موقف الأسرة الدولية كي توقف هذا المسار بضغوط وعقوبات فعلية. فلا أحد في الغرب مستعد لمعاقبة إسرائيل. هذا خط أحمر عند من يتحمل مسؤولية المحرقة، وكأن الشعب الفلسطيني هو الذي ينبغي أن يعاني من هذا الذنب.

فإلى متى يستمر هذا المنطق الذي يشجع على التطرف والإرهاب؟ إسرائيل ونظامها مرتاحان الى حركات التطرف في المنطقة لأنها تريد اظهار نفسها باعتبارها القوة التي يجب أن تهيمن وتبقى محتلة ومسيطرة على شعب لن يخرج من بؤسه وحالته المزرية بسبب الانحياز الغربي لها.

وواقع الأحوال على الأرض في القدس وفي الأراضي الفلسطينية يظهر بوضوح ان السلام المنشود في الشرق الأوسط وحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي غير واردين في ظل استمرار السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

← العودة إلى مختارات