إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الإنقسام الشيعي في العراق المسؤول الأمني الإيراني الذي هدّد نوري المالكي - سالم الخاقاني (النهار)

قد يبدو الانقسام الشيعي - الشيعي العراقي الحالي مجرد تنافس على موقع رئاسة الوزراء، بين الفصيلين الرئيسين، "حزب الدعوة" الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، والمجلس الاعلى الاسلامي العراقي الذي آلت رئاسته الى عمار الحكيم بعد وفاة والده عبد العزيز اخيراً. الا ان وراء هذا الانقسام خلافات عميقة في المنهج والرؤى حول ملفات رئيسة تتعلق بشكل العراق المطلوب وخريطة علاقات قواه ومكوناته.
فضلا عن التنافس وروح الالغاء بين التنظيمين الاسلاميين الشيعيين منذ تأسيس "المجلس الاعلى" في طهران عام 1982 وتحوله من جامع للتنظيمات العراقية الى تنظيم منافس لها وعلى راسها "حزب الدعوة" فان ملفات خلاف جديدة ظهرت بين التنظيمين منذ اسقاط الاميركيين نظام صدام حسين العام 2003. من بينها طبيعة العلاقة بين الشيعة والاكراد الذين بدوا الاكثر تنظيما والاكثر اقتناصا لمرحلة الفوضى، في توسيع مناطق نفوذهم وسعيهم الى تحقيق مكتسبات يصعب التراجع عنها، سواء في تغيير ديموغرافيا بعض المناطق المراد ضمها الى اقليم كردستان، او في كتابة دستور يعطي لاقليم كردستان حقوقا وصلاحيات تفوق ما تحويه كتب العلوم السياسية من مواصفات الاقليم الفيديرالي.
الافتراق ظهر منذ البداية بين "حزب الدعوة" و"المجلس الاعلى" الذي يرى ان ما يجمع الشيعة بالاكراد اكثر مما يجمعهم بالعرب السنّة. يستدلون في ذلك على ان المحيط العربي السني للعراق لن يسمح لسنة العراق بالتعايش، دون مشاكل، مع حقيقة النفوذ الشيعي في السلطة، وان هذا المحيط سيوظف خلافاته السياسية مع ايران تدخلا في العراق وتحريكا لسنّته ضد شيعته، على خلفية اتهام شيعة العراق بالتبعية لايران. في المقابل يرى "حزب الدعوة" ان ما يجمع الشيعة العراقيين مع مواطنيهم السنّة اكثر بكثير مما يجمعهم مع الاكراد على صعيد المستقبل. ومع اعترافهم بوحدة المظلومية التي تجمع الشيعة والاكراد في العراق بسبب السياسات العنصرية والطائفية للانظمة المتعاقبة في العراق، الا ان الاكراد - حسب "حزب الدعوة" - مآلهم الانفصال وتشكيل دولتهم المستقلة، وان من يبقى في العراق هم العرب السنّة الذين يجب ترتيب العلاقة معهم وتطمين مخاوفهم لسد الطريق على اي استغلال اقليمي لهم.
ربما يفسر هذا التوجه، مواقف امين عام "حزب الدعوة"، رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي كما سلفه ابرهيم الجعفري قبل خروجه من الدعوة والتي توصف بالحازمة، في وجه تمددات كردية سابقة وحالية، فيما يتطلع الاكراد اليوم الى رئيس وزراء "مجلسي" هو في الغالب عادل عبد المهدي المعروف بعلاقاته العميقة بهم الى درجة تخيف المتوجسين من الانفصال الكردي وتدفعهم الى الاصطفاف وراء المالكي رغم اختلافهم معه في مواقف عدة.
ولا يبتعد ملف الخلاف "الدعوتي - المجلسي" الثاني عن الملف الاول حين يتوجس "الدعوة" من موضوع الفيديرالية كما وصفها الدستور العراقي والذي يدفع العراق في حال تطبيقها الى التفتت، لذلك فهو يميل الى حكومة مركزية قوية يقول ان احداث السنوات الماضية اثبتت انها جرت بسبب غيابها، وهو ما يخالف رغبة "المجلس الاعلى" المتحمس لفيديرالية الجنوب والتي خفف من المجاهرة بها انتظارا لفرصة وعي شعبية جديدة تدعمها.
كما تأتي العلاقة مع ايران خطا ثالثا للتباعد "الدعوتي - المجلسي" الذي لم يظهر منذ نيسان 2009 بل يمتد الى بدايات تأسيس المجلس واتهام قادته الدعوة بعدم الايمان بولاية الفقيه وعدم طاعة الولي حينما انتقل ثقل "حزب الدعوة" الى ايران هربا من الذبح التي تعرضت له في العراق أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي. هذا الاتهام استمر يلاحق الدعوة حتى من بعض قيادييه الذين انشقوا عنه لاحقا ليؤسسوا جناحا للحزب اتخذ اسما لافتا هو " تنظيم العراق"، ما زال يتحمل تهمة الارتباط العضوي بإيران، فيما ظل الحزب الأصلي محل عدم ثقة من الايرانيين اتخذت اليوم شكل الموقف غير المرتاح من سياسات المالكي الذي يقول بعض القادة الايرانيين في مجالسهم الخاصة انه عاص وانه لا يمكن الوثوق به.
الموقف الايراني هذا يدخل عاملا قويا في الانتخابات البرلمانية المقررة في منتصف كانون الثاني المقبل، فمجموع تجربة الايرانيين مع المالكي تدفعهم الى السعي لاحتوائه داخل الائتلاف الذي أعاد انتاج نفسه منتظرا عودته اليه مع رفض اي حديث عن ترشيحه لرئاسة الحكومة القادمة في وقت يبدو مرشح "المجلس الاعلى" عادل عبد المهدي خيارا لا يمكن العودة عنه. المالكي الذي كشفت الانتخابات المحلية الأخيرة شعبية كبيرة له يرى ان جذبه الى بيت الطاعة الائتلافي، وبضغط ايراني، انما يهدف الى كبحه ومنعه من الحصول على رئاسة ثانية للحكومة في حين ان شعبيته المستمدة في جانب كبير منها، من المستائين من اداء الائتلاف الحالي، ستتراجع اذا ما إنضم الى الائتلاف الجديد.
الجانب الإيراني تدرج في ضغوطه على المالكي لئلا يبقى مستقلا عن الائتلاف. احد الموفدين اوصل له قبل شهور رسالة ايرانية تقول ان "موقفنا سيكون اكثر من الزعل" اذا لم تنضم الى الائتلاف. وعندما استمر في عناده الذي زاده هذا التهديد، جاءه التهديد الثاني: "اذا استمررت في عنادك سنكسر ظهرك". اللافت ان هذه الرسائل التهديدية تأتي من شخص يرئس فرعا في استخبارات "الحرس الثوري" خاصا بالعراق يدعى قاسم سليماني الذي يدير الخطوط الايرانية في الملف العراقي، وهو ما يثير حفيظة المالكي المعروف بعناده امام التهديدات خصوصا اذا جاءت من رجل استخبارات يرى لنفسه الحق في اصدار الأوامر لرئيس حكومة بلد مثل العراق. وكثيرا ما ينقل عنه مقربون قوله انه لن يدع العراق لعبة بيد قاسم سليماني. لكن كثيرين يتساءلون عن قدرة المالكي على مواجهة دولة بحجم ايران وقوة تأثيرها في العراق، في وقت يقف شبه وحيد في مواجهتها لا سند له لا من القوى الشيعية ولا السنية ولا الكردية بعدما اثبتت الازمة الاخيرة مع سوريا ان الجميع، حتى المؤمن بخطه، ربما ينقلب عليه في لحظة ما، ليتركوه مكشوف الظهر، بل وربما المشاركة في "كسر ظهره" كل بدافع معين وبهدف قد لا يلتقي بالضرورة مع اهداف الاطراف الاخرى، لكنه السباق الى مجلس النواب الذي تستثمر فيه الاطراف الاقليمية طاقات كبيرة تبدو، على تباينها واحيانا تضادها، تلتقي عند منع فوز المالكي بفرصة البقاء في رئاسة الحكومة.
هل يرضخ المالكي للامر الواقع ويعود الى ائتلاف مضمونة خسارته فيه، أم يظل منفصلا يقاوم الضغوط مراهنا على تضامن معه، وقدرة شعبية على نصرته كما حدث في الانتخابات المحلية؟
 

← العودة إلى مختارات