إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

لا حكومات من دون الاتصالات... وباسيل - سركيس نعوم (النهار)

أحبط رئيس الجمهورية ميشال سليمان محاولات المعارضة اتهام رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري بخرق الدستور لـ"انفراده" بوضع تشكيلة حكومية ورفعها الى سليمان طالباً منه توقيعها او على الاقل اتخاذ موقف منها خلال يوم او يومين. وكان ذلك عندما ابلغ الى ممثلي "ترويكا" 8 آذار (اي الثلاثي الأكثر فاعلية داخله) الذين اثاروا معه هذا الموضوع ان الحريري تصرف وفقاً للدستور وصلاحيات الرئيس المكلف المنصوص عليها في احدى مواده. وموقفه هذا كان محقاً وحكيماً وصحيحاً. ذلك ان اللقاءات التي عقدها مع رئيس الوزراء المكلف في القصر الرئاسي منذ تكليفه لم تكن للمجاملة او التعارف او التكاذب وانما للتشاور حول الحكومة الجديدة التي ناطت الغالبية النيابية مهمة تأليفها به. والتشاور يمكن ان يشمل تقويم الاوضاع الداخلية وتقدير مدى تاثير الاوضاع الاقليمية والدولية عليها ومحاولة معرفة اثر ذلك على عملية تأليف الحكومة الجديدة. ويمكن ان يشمل ايضاً الصيغ الحكومية بغية اختيار الاكثر ملاءمة منها للبلاد والاكثر صوناً للاستقرار والوحدة الوطنية على هشاشتهما. ويمكن ان يشمل ثالثاً الحقائب وطريقة توزيعها على الكتل النيابية والتيارات الحزبية والسياسية وعلى الطوائف والمذاهب والمناطق. ويمكن ان يشمل رابعاً اسماء الوزراء الذين يمكن ان يرضي توزيرهم الجهات التي اليها ينتمون والتي يمكن ان توحي الى الناس الكثير من الثقة او بعضاً منها. انطلاقاً من ذلك فإن تقديم الرئيس المكلف الى رئيس الجمهورية تشكيلته لم يكن بغرض الاستئثار بتأليف الحكومة والمس بصلاحيات الرئاسة الاولى والتي نص الدستور على ان تكون الحكومة نتيجة لتشاور شاغلها والرئيس المكلف. بل كان يقصد أن يقدم له حصيلة مشاوراته مع الافرقاء السياسيين المتنوعين في البلاد وحصيلة مشاوراته معه في بعبدا بغية معرفة رأيه فيها واعطائه المجال للتشاور بدوره مع هؤلاء الافرقاء قبل التفاهم مع الرئيس المكلف على الصيغة النهائية للحكومة او قبل وصولهما معا الى اقتناع بأن صيغة كهذه لا تزال بعيدة. انطلاقاً من ذلك يمكن اعتبار اقتراح البعض "جلوس" الرئيس سليمان و"الرئيس" الحريري معاً للاتفاق على الاسماء والذي قدمه عدد من السياسيين والاعلاميين هو في غير محله. الا ان هذا الامر على اهميته يبقى تفصيلاً. ذلك ان المهم هو النتيجة. فالايام القليلة الماضية التي اعقبت تقديم الحريري "اقتراحه" الحكومي الى سليمان حفلت بالكثير من التشاور المباشر وغير المباشر بين كل منهما والافرقاء السياسيين المتنوعين وفي مقدمهم "التريو" المعارض المنتمي الى 8 آذار. لكن ذلك لم يفلح في تحقيق الاختراق المطلوب الذي لا بد ان يقوم على تبادل التنازل بين فريقي المعارضة والموالاة وتحديداً بين الرئيس المكلف و"التريو" المذكور. الا ان هذا التشاور كان يفترض ان يستمر بضعة ايام أخرى تلبية لمطالب جهات محلية وازنة واخرى اقليمية وإن متناقضة رغبة في افساح المجال امام التوصل الى تسوية معينة. فاذا كانت النتائج ايجابية تصدر مراسيم قبول استقالة حكومة السنيورة وتكليف النائب سعد الحريري تأليف حكومة جديدة. لكنه توقف بتقديم الحريري اعتذاره أمس الى سليمان. ماذا سيحصل الآن؟ الجواب صعب جداً، لكن لا شك في ان الأزمة الحكومية انفجرت ويمكن ان تتحول أزمة حكم في مستقبل قريب فرئيس الجمهورية ملتزم إجراء استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس مكلف. والغالبية النيابية هي عند الرئيس المكلف المعتذر. فهل تسميه مجدداً لتأليف الحكومة فيواجه الصعوبات نفسها ولكن على نحو اكثر حدة؟ أم تسمي رفيقاً له في 14 آذار يمكن ان يكون مقبولاً من 8 آذار وان مقيداً بحدود فريقه؟ وماذا تفيد تسمية كهذه؟ وماذا تفعل الاقلية النيابية اذا سمت الغالبية الرئيس المصرِّف للاعمال فؤاد السنيورة؟
اياً تكن التسميات لا بد من القول ان البلاد دخلت منذ الاعتذار أمس مرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات السلبية. ذلك ان الصراع بين 8 آذار و14 آذار هو في حقيقته صراع على البلاد وعلى صيغتها ونظامها وعلى من يحكمها. وهو أيضاً صراع الحلفاء الاقليميين والدوليين لكل من 8 و14. وهو في جانب منه صراع الشرق الاوسط المزمن وصراع المذاهب المزمن وصراع الأديان المزمن. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل يبقى الصراع سلمياً أم يتحول عنفياً وخصوصاً في ضوء تمسك سوريا وايران بنفوذهما في لبنان وعليه وتمسك 14 آذار باستقلاله وسيادته ونظامه الديموقراطي وباتفاق الطائف؟
ما هي الاسباب الحقيقية للمأزق الحكومي بل الوطني الراهن؟
يورد المتابعون اللبنانيون الدقيقون اسباباً عدة. ابرزها اثنان. الاول، تمسك 8 آذار بل قائده "حزب الله" بل راعييه الاقليميين بوزارة الاتصالات ورفض التخلي عنها اياً تكن كلفة الرفض وحجم التحدي الذي يرتبه. والثاني، تمسك 8 آذار بل قائده "حزب الله" بل راعييه الاقليميين ليس بتمثيل "التيار الوطني الحر" في الحكومة، لان الرئيس المكلف اعطاه خمسة وزراء كما طلب وعلماً ان تمثيله شرط لازم في رأي هذا الفريق لاسباب عدة، بل تمسكه بالمرشح الخاسر مرتين في الانتخابات النيابية الوزير جبران باسيل وزيرا اولاً لانه قد يكون صار رجل "الحزب" وإن غير الوحيد داخل التيار او احد ابرز رجالاته فيه. وثانياً، لأن مصلحة الحزب تقتضي بالمحافظة على "التيار" ومنع قوته الشعبية وغير الشعبية من الانحدار، ولأن مؤسس التيار وزعيمه يتصرف كأن باسيل وارثه في قيادة التيار، أطال الله عمره، ولأن حاجة الحزب الى غطاء مسيحي كبيرة، ولأن الوفاء لهذا الفريق المسيحي الذي وقف مع الحزب في اصعب الظروف معاكساً الاتجاهات السياسية التاريخية لمن يمثل تقتضيان بذل الكثير في المواجهة مع الآخرين. وذلك اقل شيء يمكن تقديمه اليه.
 

← العودة إلى مختارات