تعديل الدستور - ساطع نور الدين (السفير)
لعلها اول واوضح دعوة مباشرة من الرئيس ميشال سليمان الى تعديل الدستور الذي كتب على عجل في الطائف في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وتضمّن حسب تعبيره «مفارقات دستورية» في شأن دور رئيس الجمهورية وصلاحياته التي طالما ألحّ زعماء الطائفة المارونية وممثلوها في السلطة على تعديلها، بحيث لا تكون مجرد تعبير عن رغبة بقية الطوائف في تصفية إرث ماروني قديم بدّدته نتائج الحرب الاهلية الاخيرة.
الدعوة بلا شك صادقة ومعبرة عن مزاج ماروني عام، ضاق ذرعاً من الثمن الباهظ التي دفعته الطائفة المؤسسة للكيان اللبناني، وبات يشعر ان المسلمين الذين انتزعوا تلك التنازلات من موقع رئاسة الجمهورية ليسوا مؤهلين للعب دور الوريث الشرعي، ولا هم حتى مجهزين لاكمال مسيرة الدفاع عن ذلك الكيان، الذي لا يتهدده اليوم وغداً سوى احتمال الفتنة بين السنة والشيعة.. الذين وقفوا اكثر من مرة في السنوات العشرين الماضية على حافة الاشتباك المباشر، وما زالوا هناك.
الفرصة مؤاتية، من وجهة نظر مارونية، لمراجعة دستور الطائف، لا سيما ان الطائفة قدمت لرئاسة الجمهورية الرجل الوحيد الذي لم يكن يثير اشكالية سنية او شيعية، بل كان ولا يزال يمثل على الارجح القاسم المشترك الوحيد بينهما، الذي ساهم في الحؤول دون سقوط اتباع المذهبين الاسلاميين الكبيرين في الفتنة، طوال سنوات قيادته الجيش اللبناني، ولا يزال يرعى هذا الدور.. من دون ان ينتظر تلك «المكافأة»، التي يسلم السنة والشيعة ضمناً بضرورة تقديمها الى الرئيس الماروني، لكنهم يطرحون علامات استفهام حول توقيتها وشروط تسليمها.
في المبدأ، يحتاج السنة والشيعة اليوم وكل يوم، الى نطاق مسيحي ماروني عازل، لكن المشكلة ان الرئيس سليمان الذي يتولى هذه المهمة لا يتمتع بتفويض واسع من طائفته، بل هو يترك الانطباع بانه يحاول استرداد بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية، فقط لانه في مستهل صراع على الزعامة المارونية مع منافسه الابرز العماد ميشال عون. وفي هذه الحالة يكون الرئيس كمن وقع في كمين مزدوج: فهو من جهة يخفض سقف الرئاسة الاولى، ويؤيد زعم العماد عون بانه هو الذي يناضل من اجل استرداد صلاحيات المسيحيين وحصتهم سواء بالتفاوض المباشر مع المسلمين، او بالضغط على قصر بعبدا.
تعديل الدستور حق وواجب، لأسباب اسلامية خاصة اكثر من الاسباب المسيحية المارونية، لكن خطره لا يكمن فقط في الحملة التي يشنها العماد عون منذ عودته من منفاه الباريسي، والتي وضع لها عنواناً رئيسياً هو استعادة الحقوق المسيحية المسلوبة، بل ايضاً في بقية الاسماء المرشحة لقيادة الطائفة المارونية وبينها ذلك الثلاثي الشاب الذي يتنافس منذ الآن على رئاسة الجمهورية، والذي لا يمكن ان يعدل الدستور من اجله، لان من شأن ذلك ان يحرك كوابيس السنة والشيعة وأبشع مناماتهم.