إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

في التقرير واستخداماته - ساطع نور الدين (السفير)

النيات حسنة، والجهود مشكورة، لكن المقدمات مثيرة للجدل، لأنها مبنية على فرضية وهمية تعتبر العرب وبلدانهم جماعة واحدة، ينطبق عليها ما ينطبق على بقية الامم، وتطرح عليها اسئلة واحدة حول السيادة والتنمية والحداثة، وتخضع لقوانين موحدة للتطور في المشرق والمغرب والخليج وما بينهم.
دليل النيات الحسنة ان الامم المتحدة التي تقف وراء تقرير التنمية البشرية في البلدان العربية الذي صدرت نسخته السابعة امس في بيروت، تندمج في ذلك الحلم القديم، الذي لم يعد له اساس مشترك سوى اللغة المستمدة من الدين الواقف في قفص الاتهام او على الاقل في خلفية ذلك النقاش المتوتر مع الآخر.. ومع الذات العربية التي لم تتوصل الى الرد على السؤال المركزي حول ما اذا كان الاسلام هو احد عناصر القوة والوحدة ام العكس. والارجح انها لن تعثر على هذا الرد أبدا.
كان الهدف الجوهري غير المعلن من التقرير الاول الصادر في العام 2002 توسيع ذلك النقاش وتعميقه بعد سنة على هجمات 11 ايلول على اميركا. تورط كتبته في المهمة السهلة: جلد الذات وكشف عيوبها وإحباطاتها.. من دون التطرق مباشرة الى تلك المعضلة الفكرية والسياسية حول الاسلام الذي انتج ارهابا مروعا، وتحول الى مادة للتعبئة. كان قصد الامم المتحدة ومعها الولايات المتحدة ان تسأل العرب عما اذا كانت تلك المادة يمكن ان تتحول الى مشروع وبرنامج عمل. جاء الجواب بالنفي، مشفوعا بدلائل على تخلف البلدان العربية وتردي احوالها على مختلف المستويات، ومرفقا بحوافز نظرية حول سبل العبور الى الحداثة.
ادارة الرئيس جورج بوش التي كانت تبحث عن تبرير لحربها على افغانستان وتقديم لحربها على العراق، استغلت بشكل خبيث نص ذلك التقرير لكي تعلن انها تشن حملة اصلاح وتغيير وتحديث للعالمين العربي والاسلامي، معززة بالتفويض الإلهي، وليس مجرد عملية ثأرية من هجمات 11 ايلول. وبدا ان معدي التقرير مشاركون في المجهود العسكري الاميركي ، اكثر مما هم مساهمون في فتح نقاش يغلب عليه الطابع الاكاديمي عن «احوال الامة».. ولذلك اضطروا في تقاريرهم اللاحقة الى التركيز على الاحتلال الاميركي ومساوئه والاحتلال الاسرائيلي وعواقبه، اكثر من قضايا الحكم وحقوق الانسان والمرأة والتربية وغيرها، ما دفع واشنطن الى عرقلة صدور احد هذه التقارير ومحاولة تعديل بعض نصوصه.
ومنذ ذلك الحين فقد التقرير عنصر الاثارة، ولم يبق منه سوى ذلك الايجاز السنوي لاحوال يسهل رصدها وتسجيلها، لكنه يستحيل وقف ترديها من خلال نص فكري ـ ثقافي، يجافي المنطق اولا لانه يتوهم ان الامة قائمة على ارض الواقع، ولا تحتاج الا الى بعض التغيير والتحديث، بينما تواجه جميع الاقطار المنتمية اليها تحديات جدية في تشكيل وحداتها الوطنية وهوياتها السياسية وحتى الدينية، ومشروعاتها الاقتصادية والاجتماعية، التي قد تستغرق قرنا كاملا قبل ان تصل الى سوية واحدة تسمح بالادعاء انها دول مستقرة من الداخل، قادرة على مواجهة أعداء الخارج وخصومه.
لم يعد التقرير مادة للاستخدام السياسي.

← العودة إلى مختارات