إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الحكومة الأنسب: 13+10+7 - توفيق هندي (النهار)

مرّ أكثر من شهر على إجراء الإنتخابات النيابية وأقل بقليل على تعيين رئيس الحكومة، ولكن تبدو ولادة الحكومة صعبة وربما متعثرة.
ما هي الأخطاء التي أنتجت هذه الحالة؟ وهل بالإمكان الخروج من المأزق؟ وكيف؟
في الحقيقة، ثمة خطأ رئيسي تفرع عنه باقي الأخطاء: تصرف الجميع أو الغالبية الساحقة من الأفرقاء بعيد الإنتخابات وكأن لا وجود للمؤسسة الدستورية الأولى للبلاد، أعني رئاسة الجمهورية. تصرفوا بعقلية الجماعة وكأنه لا وطن ولا دولة، حتى أولئك الذين "استماتوا" من أجل إنتخاب رئيس جمهورية جديد في المرحلة التي إمتدت من 14 شباط 2005 إلى حين إنتخاب الرئيس سليمان في 25 أيار 2008.
فبعد 7 حزيران، كان الوضع الدستوري للبلاد كالآتي : مجلس نيابي جديد من دون رئيس، حكومة مستقيلة، رئاسة جمهورية يملأها رئيس توافقي بالفعل والممارسة ولو أراد بعضهم تحويله إلى فريق والبعض الآخر تصويره على هذا النحو، خدمة لمصالح هذا أو ذاك.
من ناحية أخرى، وبعد خوض معركة الإنتخابات المصيرية أو الغاية في الأهمية أو... (لا فرق!)، فوجئ فريق 14 آذار بنصره، فتصرف وكأنه يخشاه، وفوجئ فريق 8 آذار بخسارته ولكنه بدا وكأنه تنفس الصعداء لحدوثها.
وبات لبنان أمام إستكمال إنتاج السلطة: إنتخاب رئيس للمجلس النيابي الجديد، تعيين رئيس حكومة وتشكيلها في ظل ميزان قوى مركب: غالبية نيابية تحظى بـ 55,5 % من المجلس ولكن ضعيفة على الأرض وأقلية تحظى على 44,5 % من المجلس ولكن قوية على الأرض.
لذا، بات لبنان في وضع مشابه للوضع القائم عشية اتفاق الدوحة من حيث إنتاج السلطة مع فارق مهم هو عدم الفراغ في سدة الرئاسة، ووجود رئيس توافقي بإمتياز، يلقي على عاتقه الدستور مهمة إنتظام الحياة السياسية والدستورية في البلاد، ولا سيما في ظرف الإنقسام الوطني الحاد الذي يهدد وحدة لبنان واستقراره.
وكان لا بد من مقاربة الوضع الصعب على قاعدة الإتفاق على سلة (package deal (تشتمل على أربعة عناصر أساسية : إنتخاب رئيس للمجلس النيابي، تعيين رئيس للحكومة، تحديد صيغة الحكومة (توازناتها الداخلية)، الإتفاق على العناصر الأساسية للبيان الوزاري، بما فيها مسألة السلاح المرتبط بالحوار حول "إستراتيجية الدفاع". وهذا الأمر يعني أن لا يتم تنفيذ أي من العناصر الأربعة قبل الوصول إلى اتفاق نهائي على العناصر الثلاثة الأخرى.
وكان من الطبيعي أن يكون رئيس الجمهورية لولب المفاوضات والمشاورات والتفاهمات بين الأطراف المتناقضة للوصول إلى مثل هذا الإتفاق، لئلا تعم الفوضى في المداعبات الثنائية بين الأقطاب ومن ثم تستجلب تدخل الإخوة العرب والأطراف الإقليميين وربما الدوليين الذين "يرعون" هذا الطرف أو ذاك. وللأسف، هذا ما حصل! وكادت سوريا تعاود تدخلها في الشؤون اللبنانية "رسمياً".
لا شك في أن الوضع اللبناني يتأثر بالتطورات والمسارات العربية والإقليمية والدولية. ولكن قدرة اللبنانيين على إدارة شؤون بلادهم بأنفسهم تحد من هذه التأثيرات.
وإذا كانت 8 آذار أبدت حذرها من الرئيس سليمان منذ ما قبل توليه مقاليد الرئاسة برفضها إعطاءه قدرة ترجيح غالبية الثلثين في الحكومة، فإن هذا الحذر ظل جاثماً طوال السنة الأولى من عهده إلى يومنا هذا، وقد تطور إلى حد المعاداة خلال مرحلة الإنتخابات.
أما 14 آذار، فقد أخطأت بتعاطيعا مع الرئاسة الأولى ودورها المحوري في مرحلة ما بعد الإنتخابات. فسارع كل من الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط إلى إنتخاب بري رئيسا" للمجلس النيابي دون ربط هذا الإنتخاب بالحصول على توافق أقله على صيغة الحكومة (كما حدث في الدوحة)، ولم يكتف السيد جنبلاط بهذه الخطوة إنما عاد في خطابه السياسي إلى معجم الحركة الوطنية الذي مرّ عليه الزمن، ودعا إلى طي الحديث عن سلاح "حزب الله" ما أخرج عمليا هذا الموضوع من طاولة الحوار حول الإستراتيجية الدفاعية.
أما اليوم وبعد عودة تشكيل الحكومة إلى المسار اللبناني في ظل إجماع لبناني شكلي على هذه العودة وأجواء عربية ظاهرها تصالحية ونائية بنفسها عن التدخل في الشؤون اللبنانية، تغيرت المعادلة التي دفعتني في تاريخ 11/06/2009 إلى إقتراح صيغة 16-10-4 للحكومة العتيدة في "قضايا النهار".
فبعد الإبتعاد عن المسار اللبناني لإستكمال إنتاج السلطة على قاعدتي السلة ومحورية دور الرئيس، وبعد إنتخاب الرئيس بري وإعادة التموضع الملتبس لجنبلاط -حيث ظل "تنظيمياً" أقرب إلى 14 آذار وبات سياسياً أقرب إلى 8 آذار، وبعد الوصول إلى طريق مسدود في ظل تمسك 8 آذار بالثلث المعطل الظاهر أو المبطن ورفض 14 آذار العودة إلى التجربة الحكومية الأخيرة، وبعد ظهور 8 آذار أكثر تماسكاً من 14 آذار (بالرغم من حركية الرئيس بري التي لم ولن تخرج عمّا يكون متفقاً عليه بين سوريا وإيران وحزب الله)، كما تبدو 8 آذار "مرتاحة على وضعها" انطلاقاً من إمساكها برئاسة المجلس النيابي وتحول حكومة السنيورة الثانية من حالة شلل متعب (تعطيل أعمال) إلى حالة شلل مريح (تصريف أعمال)، علما" أنه لن يكون وضعها أفضل في الحكومة العتيدة، فهي تتصرف وكأن الوقت يلعب لمصلحتها.
لذا، ما كان ممكناً سابقاً بات مستيحلاً اليوم. لذا، أقترح صيغة 13-10-7 بدلاً من 16-10-4، خصوصا أن هذه الصيغة هي تعبير صحيح عن التوازن بين 14 و8 آذار داخل المجلس النيابي: فـ 14 آذار تمتلك 55,5% من المجلس النيابي و8 آذار 44,5% منه. ويكون لـ 14 و8 آذار أن يتقاسما 23 مقعداً وزارياً (30 مقعداً ناقصة 7 مقاعد لرئيس الجمهورية) وفقاً لهذه النسب. فيكون لـ 14 آذار 75,12% أي 13 وزيراً، ولـ 8 آذار 25,10% أي 10 وزراء.
إن صيغة 13 للأكثرية، 10 للأقلية و7 لرئيس الجمهورية، هي الصيغة الوحيدة التي تؤمن في الوقت عينه إعتماد النسبية في تحديد حصص الأكثرية والأقلية وقدرة حسم غالبية الثلثين لرئيس الجمهورية.
كما أن هذه الصيغة قائمة على قاعدة تخلي 14 آذار عن الأكثرية العادية في الحكومة مقابل تخلي 8 آذار عن الثلث زائداً واحداً، بدلاً من إقتراح 8 آذار القائم على قاعدة الأكثرية العادية لـ 14 آذار مقابل الثلث زائداً واحداً لـ 8 آذار.
وفق هذه الصيغة، تكون 14 آذار قد قدمت أقصى التنازلات لحساب لبنان وبهدف التوصل إلى تشكيل حكومة قادرة على إتخاذ القرارات العادية أو غير العادية (التي تتطلب غالبية الثلثين)، إذ أن قدرة الحسم في حال عدم التوافق، تكون في الحالتين بيد رئيس الجمهورية.
إن موازين القوى تسمح اليوم بالتوصل إلى هذا الحل. على 14 آذار أن تتحلى بالشجاعة، وسعة الأفق، ورجاحة العقل ورحابة الصدر، وأن تضع شعار "لبنان أولاً" موضع التنفيذ وأن تسرع في طرح هذا الحل قبل فوات الأوان.
فإذا رفضته 8 آذار، لا مجال حينذاك إلا بتشكيل حكومة على عجل مناصفة بين رئيس الجمهورية و14 آذار.


(سياسي لبناني)

← العودة إلى مختارات