ما سمعه كوشنير في بيروت وما سمعه في دمشق - نقولا ناصيف (الاخبار)
في أقلّ من أسبوعين، استقبل الرئيس السوري بشار الأسد وفدين فرنسيين رفيعي المستوى ووثيقي الصلة بنظيره نيكولا ساركوزي. الأول في 30 حزيران ضمّ الأمين العام للرئاسة كلود غيان والمستشار الدبلوماسي للرئيس جان دافيد ليفيت، والثاني في 11 تموز كان وزير الخارجية برنار كوشنير. وعكست هاتان الزيارتان المتلاحقتان مدى التقدّم الإيجابي الذي أحرزته علاقات البلدين في الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع خطوات مماثلة تتخذها واشنطن بدورها لتطبيع علاقاتها بدمشق. وكانت مظاهر الانفتاح الأميركي والفرنسي والأوروبي إحدى الملاحظات التي ساقها الأسد أمام كوشنير لدى استقباله في 12 تموز، معبّراً عن ارتياحه إلى المقاربة الجديدة لهذه الدول حيال علاقتها بسوريا. ذلك أن معلومات مصادر دبلوماسية واسعة الاطلاع أفصحت عن أسماء ثلاثة مرشحين كي يشغل أحدها منصب السفير الأميركي الجديد في دمشق، خلفاً للسفيرة مرغريت سكوبي التي سُحبت غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وحلّت محلها القائمة بالأعمال مورا كونولي. والمرشحون الثلاثة هم:
ـــــ دان كيرتزر الذي كان سفيراً في مصر وإسرائيل، وعيّن مسؤول الشرق الأوسط في الحملة الانتخابية للرئيس باراك أوباما، نشط على خط الجهود الأميركية للسلام، ويوصف باليهودي المعتدل قياساً بنظيريه السفيرين دنيس روس ومارتن إنديك.
ـــــ جايك والاس الذي يشغل حالياً منصب القنصل العام في القدس الشرقية، عمل بدوره طويلاً مع روس على خط جهود السلام. وفي حال الموافقة على ترشيحه يرفّع إلى رتبة سفير.
ـــــ فريد هاس.
ويُنتظر بعد اختيار أحد هؤلاء، موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه قبل إرسال اسمه إلى الحكومة السورية لتأييد اعتماده، ما يؤجل التحاقه بمقرّ عمله في دمشق إلى الخريف المقبل.
يواكب هذا الترشيح، تبعاً للمصادر الدبلوماسية الواسعة الاطلاع، تعيين السفير رون شلايكر نائباً أول لمساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان الذي كان قد شغل هذا المنصب في ظلّ المساعد السابق لوزيرة الخارجية دافيد ولش، علماً بأن كونولي عيّنت نائبة لمساعد وزيرة الخارجية مسؤولة عن منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. وسيتسلم شلايكر منصبه الشهر المقبل، وكان قد شغل منصب القائم بأعمال السفارة في بيروت عامي 1994 و1996 بعد استدعاء واشنطن السفير مارك هامبلي لدواع صحية في 26 آب 1994، ولزم المنصب حتى تعيين سفير جديد هو ريتشارد جونز في 17 شباط 1996.
ويثير تعيين شلايكر الانتباه إلى أنه الدبلوماسي الأميركي الثالث الذي يُعيّن في منصب النائب الأول لمساعد وزيرة الخارجية ممّن لهم باع ومراس طويلان في الملف اللبناني بتعقيداته ومشكلاته وتفاصيله، بعد دافيد ساترفيلد وجيفري فيلتمان.
لكن ملاحظة الرئيس السوري أمام الوزير الفرنسي عن الانفتاح الغربي على بلاده، بيّنت كذلك حرصهما في اجتماع الأحد على تجنّب الخوض في تفاصيل الوضع اللبناني. اكتفى كوشنير، وفق المصادر الدبلوماسية نفسها، باستطلاع موقف دمشق من الوضع اللبناني، دون الاقتراب من موضوع تأليف الحكومة الجديدة، فيما حصر الأسد لزائره الفرنسي وجهة نظره حيال ما يحصل في لبنان بمسألتين:
أولاهما تأييده حكومة وحدة وطنية اعتقاداً منه أن أي صيغة أخرى ستكون غير واقعية في تنظيم المشاركة والتعاون بين الأفرقاء اللبنانيين. وتجنّب الأسد وكوشنير الكلام عن الثلث الزائد واحداً كنصاب تطالب به المعارضة للانضمام إلى الحكومة الجديدة. لكن الوزير كان قد خرج من اجتماعه بممثلي المعارضة في بيروت، الرئيسين نبيه برّي وميشال عون والنائب نواف الموسوي، بانطباع غامض، هو أنه لم يستخلص منهم ثمن تخلّيهم عن الثلث الزائد واحداً كي تشارك المعارضة في هذه الحكومة. بيد أنه ألحّ على محاوريه في الموالاة والمعارضة، وكذلك في دمشق، ضرورة الإسراع في تأليف الحكومة كي تباشر عملها وتتفادى إهدار الوقت.
ثانيتهما، تعزيز العلاقات اللبنانية ـــــ السورية في ظلّ حكومة الرئيس سعد الحريري، فأبدى الأسد استعداداً إيجابياً للتعاطي معه، بعدما سأله كوشنير عن انعكاس تكليف الحريري ترؤس الحكومة على علاقات البلدين. قال الأسد لكوشنير إنه مستعد للانفتاح على الحريري، لكنه ذكّره بمراحل صعبة مرّت فيها العلاقات اللبنانية ـــــ السورية في السنوات الأخيرة، باتهام الغالبية سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري. كان كوشنير قد ذهب إلى دمشق وسمع من أركان قوى 14 آذار موقفين على صلة بالعلاقة بسوريا: أحدهما كان مسيحيو هذا الفريق أشدّ المتحمسين له، وهو أنهم يرون ذهاب الحريري إلى دمشق بعد تأليفه حكومته أمراً واقعياً ومقنعاً كونه يتوجّه إليها عندئذ رئيساً للحكومة لا رئيساً للغالبية. والآخر استعداد الموالاة للتعامل مع سوريا في المرحلة المقبلة من منطلق جديد، وخصوصاً عبر إعلامها، آخذة في الاعتبار أن المحكمة الدولية بدأت عملها، وأن لا فائدة من توجيه الاتهام إلى سوريا بالاغتيال بعدما طبع هذا الموقف الأعوام الأربعة المنصرمة. قال أركان الموالاة لكوشنير إنهم يكتفون باحترام عمل المحكمة والاعتماد عليها لتحديد قتلة الرئيس الراحل. في المقابل لا بد من إرساء علاقات جديدة بين البلدين تقوم على الاحترام الكامل للسيادة والاستقلال.
ومما يستوقف أن كوشنير أسرّ للسفراء الفرنسيين، في مصر والأردن وسوريا وفلسطين ولبنان وإسرائيل، بأن اجتماعهم المقبل سنة 2010 سيكون في بيروت.