معركة تحالفات كاذبة أم خلافات كاذبة؟ - رفيق خوري(الأنوار)
لمناخ الانتخابي موبوء، من حيث كان التصور ان قانون الانتخاب الجديد علاج يضمن للبنان المريض الصحة السياسية. وما يثير السخرية السوداء هو توصيف كل معركة انتخابية في هذه الدائرة أو تلك بأنها أمّ المعارك في بلد يقال مرة على مستويات عالية انه مسروق لا مكسور ومرة انه مفلس، ولا أحد يعرف كيف سيكون حتى بعد الانتخابات. لكن الكل يعرف ان مصيره مرتبط بما ينتهي اليه الصراع الجيوسياسي الدائر في المنطقة وعليها بمزيج من الحروب والاتفاقات، بصرف النظر عن الاطمئنان حاليا الى بقاء المظلة الدولية فوقه لضمان الاستقرار الذي يقدّم خدمات لأهل الصراع الجيوسياسي.
والعنوان البارز للمناخ الموبوء هو غياب السياسة في الحملة الانتخابية. لكن السياسة ليست غائبة تماما في ضجيج الطبول. فالغائب هو السياسة بمفهومها الأصيل: فنّ ادارة شؤون الناس. والحاضر هو ما وصفه اللورد كراكبورن بالقول: السياسة هي حول الخداع والاستمرارية، وأحيانا حول خداع الاستمرارية. وما أكثر الخداع في الشعارات والتحالفات والخصومات لضمان الاستمرارية والسعي بالوهم للتغلّب على خداع الاستمرارية.
ذلك ان أقوى سلاح لدى كل طرف في المعارك الانتخابية في الأنظمة الديمقراطية هو الاختلاف عن المنافسين والخلاف مع الخصوم. الاختلاف عن المنافسين في البرامج والمشاريع المتعلقة بتحسين شروط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والخلاف مع الخصوم على رؤية الأخطار والفرص في الحياة الوطنية ومواجهة تحدياتها وادارة العلاقات في الداخل والعلاقات مع الخارج.
وليس هذا، برغم الصراخ واللعب على العصبيات، ما تدار به معركة الانتخابات في الوطن الصغير. فالكل تقريبا في السلطة. ولا مجال لتهرّب أحد من المسؤولية عن الفشل في ادارة شؤون الناس حتى في مجالات الكهرباء والماء والنفايات، وعن وصول الدين العام المعلن الى ثمانين مليار دولار، وتقديم موازنات بلا توازن بعد عقد من دون موازنات، والاقتراض حتى لخدمة الدين العام. فالاختلاف عن المنافسين شكلي وبعناوين عامة يصعب تحقيقها. والخلاف مع الخصوم مطاطي، بحيث لم يمنع التحالف بين الخصوم في لوائح مملوءة بالغرائب والعجائب. والمعادلة واضحة: إما ان الخلافات كاذبة، وإما ان التحالفات كاذبة.
والمفارقات مذهلة. فالناخب الملتزم داخل الأحزاب والتيارات أو معها والذي جرى حقنه بالعصبيات وتصعيد الخلافات مع الخصوم، يدعى اليوم الى التصويت للائحة تضم هذا الخصم أو ذاك. وما جرى وضعه داخل الحكومة في خانة ربط نزاع تبدو الأولوية فيه مرة للربط ومرة للنزاع. والبلد كله مربوط بالنزاعات من حولنا، وبعضه يلعب دورا عمليا في النزاعات.