إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

لبنان: سوريالية القانون و«التحالفات» الانتخابية - حنا صالح (الشرق الاوسط)

 تُقدم الانتخابات في البلدان الديمقراطية مخرجاً من الأزمات، ومؤشراً عن تجديدٍ في الوجوه والبرامج ما يرفع من مستوى ممارسة الحياة السياسية. وقد تجترح الانتخابات، وفق البرامج المتواجهة حلولاً تحاكي مطالب المواطنين وهموم الناس. ليس هذا الحال في لبنان، رغم أن البلد مأزوم وتتهدده العزلة، و«البلد مفلس» وفق ما نقله البطريرك الراعي عن رئيس الجمهورية قبل أيام.
بعد 9 سنوات على آخر انتخابات عامة، وبعد 3 تمديدات لبرلمان عام 2009، ستتم الانتخابات في السادس من مايو (أيار) وفق قانون هجين، نسبيّ بالاسم، مذهبيّ وأكثريّ بالواقع. بدعة الصوت التفضيلي على مستوى القضاء (الدائرة المصغرة وفق القانون السابق) لا الدائرة الانتخابية، حوّلت هذا القانون إلى أكثريّ مذهبيّ، لأنه نتيجة الاستثمار الأكبر لكل القوى الرئيسية في التوتير الطائفي بات الناخب عموماً أمام تفضيل مرشحٍ من مذهبه! ووصول مرشح واحد إلى عضوية برلمان عام 2018 بات يمر عبر تأمين الحاصل الانتخابي، وهذا الحاصل مختلف بين دائرة وأخرى، ويرجح أن يصل في حده الأعلى إلى نحوٍ من 25 ألف صوت كما في الدائرة الجنوبية صور الزهراني، ولا يتجاوز الـ6 آلاف صوت في الدائرة الأولى في بيروت، ما جعل من هذه النسبية بدعة لبنانية على طريقة تحضير أكبر ساندويتش أو أكبر «جاط» تبولة!!
القانون على سيئاته وغموضه حفّز الكثيرين على الترشح، ما يعكس بعضاً من حجم السخط على كل الطبقة السياسية، ولأول مرة اقترب عدد المرشحين من الألف انسحب منهم نحو 350 بعدما عجز أكثرهم عن الوجود في لوائح. ومنذ فجر السابع والعشرين من الشهر الجاري توزع المرشحون على 77 لائحة، يتنافسون على 128 مقعداً في 15 دائرة انتخابية، في أكثر الانتخابات غرابة، بمعنى أن في هذه الانتخابات الكثير من الدعاية الشخصية لأفراد ورموز وبيوتات تقليدية على حساب السياسة التي غابت، ومع هذا الغياب لم تُقدم ولو جردة حساب أولية عما قام به من يطلب مجدداً ثقة الناخب. وحتى يكتمل المشهد السوريالي مع غياب المشروع السياسي وسقوط الأقنعة، نشأت تحالفات غير مألوفة، كأن يتحالف التيار العوني، وهو تنظيم مسيحي له خطابه الفئوي، مع الجماعة الإسلامية (...)، بينما امتلأت لوائح تيار المستقبل برموز محسوبة على الأجهزة السورية المنبوذة شعبياً، وجوهر خطاب المستقبل تحقيق العدالة ومعاقبة قتلة الرئيس رفيق الحريري، ولم يجد «حزب الله» وبعض «أصوليي» القوات اللبنانية غضاضة في إقامة تحالف انتخابي في واحدة من دوائر الجبل.
ما يصيب المتابع بالدهشة أن المتجذرين في البرلمان منذ ربع قرن وأقله 15 سنة، أطلقوا الوعود للناخبين عما سيحققون في المستقبل، كأنهم كانوا في صفوف المعارضة الشعبية والشبابية خارج الندوة النيابية!! لكن القاسم المشترك بين الأطراف التقليدية تمثَّل في تسعير الاستنفار المذهبي والطائفي، وهذا الأمر سيرتفع أكثر كلما اقتربنا من موعد الانتخابات في السادس من مايو المقبل، لأنه حسب أصحابه الوسيلة الأنجع في اجتذاب الناخبين إلى صندوق الاقتراع. وهنا يجب أن نفتح مزدوجين للإشارة إلى أنه مع التسابق ضمن اللائحة الواحدة على الصوت التفضيلي، ووجود 17 وزيراً حالياً من المرشحين، فإن المال السياسي قد يسود وتكون له الكلمة الأخيرة في بعض الدوائر الانتخابية، لأن التقليد أثبت أن بعض الأوساط قد لا تقترع لمن معه الحق، بقدر ما تنتظر من يملك المال أو النفوذ، وربما يكون المال السياسي وسيلة البعض في البرلمانات لقياس الأحجام، حجمه وحجم الآخرين، كما أن أولوية البعض الآخر إنجاز تصفية سياسية للخصوم داخل الطائفة وداخل المنطقة، بينما يهتم سواهم بتوفير انتقال هادئ للزعامة من الأب إلى الابن، وحتى، والبلد في بداية عهد جديد، تحول الصراع على المقاعد في دائرة شمالية معينة إلى صراع عمن هو الثابت على منصة الانتقال إلى رئاسة الجمهورية!!
وحده «حزب الله» الذي ضغط من أجل هذا القانون، يتعاطى مع المعركة بشكلٍ مختلف، إنه قانونه وإنها معركته وهو يسعى لتكريس حضوره الوازن داخل الطائفة الشيعية، وعبر مؤيديه في الطوائف الأخرى، لأنه ببساطة يريد من الانتخابات تغطية إضافية لسلاحه والدويلة، يريد أن ينتزعها من صناديق الاقتراع، ويريد إفهام الخارج، وهو يتصرف على أن الداخل طوع بنانه، بأنه ركن من أركان النظام والدولة وأساسي في استقرار البلد أمنياً وسياسياً، وأن كل عقوبات خارجية أو تفكير بمحاصرته إنما ستكون موجَّهة إلى البلد كله. بمعنى أن هدفه من أصوات الناس تحويل المقترعين ومعهم البلد إلى أكياس رمل لحمايته، وحماية مشروع إلحاق لبنان بمحور الممانعة، إذا ما تعرض الوضع لمتغيرات مفاجئة. هذا بالضبط ما ذهب إليه السيد نصر الله في حثّه المؤيدين على الاقتراع بالقول: «نوابنا في المجلس صوت لـ(المقاومة)، ووجودهم في المجلس يعطينا مكاناً في الحكومة لمنع اتخاذ أي قرار يمسنا»!!
كل هذه السوريالية في العملية الانتخابية تتم مع تجاهل كامل لحجم أزمات البلد؛ المالية والاقتصادية والاجتماعية، ويتفاقم التدهور الكبير بين الدولة والمواطن المغلوب على أمره، بعدما صارت الغلبة للدويلة على الدولة، كأن البلد في مرحلة تصريف أعمال طويلة، وغاية ما تَعِد به الطبقة السياسية تمديد الانتظار، بينما كل المعطيات المحلية والتنبيهات الدولية تؤكد أنه لو تم ضبط الوضعين السياسي والأمني، فمن الصعوبة بمكان ضبط المخاطر المتأتية عن التدهور المالي، وهذا ما شدد عليه البطريرك الراعي نقلاً عن رئيس الجمهورية، لكن رغم ذلك وبمعزل عن خطاب موجه إلى الخارج عشية مؤتمر باريس والسعي لمزيد من الدَّين لتغطية مزيد من الهدر، كل الإجراءات تلتقي على استمرار المحاصصة، بينما السطو على ما بقي من المال العام يزكم الأنوف.
هنا موقع الانتخابات البرلمانية التي تعطي المواطن اللبناني أول فرصة منذ 9 سنوات للمحاسبة، رغم أنه تم تعطيل إمكانية التغيير الجدي والكامل باختزال الحياة السياسية في أحزاب طائفية وفي قانون مفصَّل على أساس مذهبي، فإن كثافة الاقتراع قد توجه رسالة شعبية تُرسي أساساً أولياً وأملاً بأن إمكانية بدء مسيرة التغيير واردة.

← العودة إلى مختارات