الجمهورية الاسلامية الثانية - علي الامين (البلد)
قطبا المواجهة في ايران اليوم خامنئي ورفسنجاني
الاتهام بالتزوير يرتكز على انحيازالمرشد والعسكر
فوز الرئيس احمدي نجاد بنسبة تقارب الـ 64 في المئة من اصوات الناخبين الايرانيين، يدرج في اطار الفوز الساحق الذي يفترض ان يكم افواه الخصوم، بسبب هذه النسبة العالية التي نالها، وتفوقه على اقرب منافسيه مير حسين موسوي بما يقارب الـ14 مليون مقترع. لكن حجم الاعتراض الشعبي في ايران واستعادته مشهد التظاهرات المليونية،التي شهدتها ايران عشية الثورة الاسلامية بقيادة الامام الخميني في العام 1979، يعطي مبررا للاتهام الموجه الى السلطات المشرفة بالتزوير في هذه الانتخابات، وهو اتهام اجمع عليه منافسو احمدي نجاد في السباق نحو موقع رئاسة الجمهورية. على ان التزوير الذي يجري تداوله على السنة رموز التيار الاصلاحي وانصارهم في الشارع، لا يستند في جوهره الى صناديق الاقتراع واحتمال التلاعب بارقام الناخبين، بقدر ما ينطوي على تزوير يطال تدخل السلطات الدينية والعسكرية الرسمية لمصلحة احمدي نجاد، في وقت يفترض ان تقف على الحياد في هذا التنافس الانتخابي. لقد كان ترشيح مير حسين موسوي ودعمه من قبل التيار الاصلاحي وانسحاب الرئيس السابق محمد خاتمي من السباق الرئاسي باكرا لصالحه، خطوة مربكة للتيار المحافظ لانه مرشح اشكالي لا يملكون سلاحا فاعلا لمحاربته. وهذا دفع المرشد الاعلى السيد علي خامنئي للتدخل مباشرة واعلان دعمه لاحمدي نجاد خلال زيارة مفاجئة قام بها لاقليم كردستان المعروف بموقفه السلبي من الحكومة المركزية.
وكان المرشح مهدي كروبي قد اقتحم المحرمات السياسية التي لم يتجرأ اي من المرشحين على الاقتراب منها،
اولا، هاجم المؤسسة العسكرية وتدخلها في الانتخابات وهي رسالة وجهها الى قائد الاركان المشتركة للقوات المسلحة الجنرال حسن فيروز ابادي، نبه فيها الى اعلان الاخير تأييده للرئيس احمدي نجاد باعتبار هذا الامر يتعارض مع الدستور وتوصيات مؤسس الثورة.
ثانيا، انتقد بشكل مباشر دور مؤسسة حرس الثورة الاسلامية وقوات التعبئة(الباسيج) التابعة لها ودورها في توجيه الرأي العام المقرب منها لتصب لصالح نجاد.
ثالثا، وجه كروبي رسالة مفتوحة الى رئيس مجلس صيانة الدستور احمد جنتي، حملت اتهاما واضحا وصريحا لجنتي بالانحياز والتدخل الواضح لصالح نجاد خلافا لم يتطلبه الموقع الذي يشغله والذي يفرض عليه الحياد.
لذلك اثارت نتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية هذا الحجم من الاعتراض، ولم تمر مرور الكرام، ورافقها هذا الجدل الواسع والاحتجاجات الميدانية غير المسبوقة، فلو كان النظام وقيادته قد ترك للعملية الديمقراطية ان تسلك مسارها العادي والطبيعي من دون ان يزج بمؤسساته لحساب مرشح دون اخر، لما كان كل هذا الاحتجاج وربما كانت النتيجة مغايرة تماما.
على ان التحدي الذي شكله الخطاب الاصلاحي منذ انتخاب خاتمي في العام 2007، حول هذه الانتخابات الى معركة وجود بين تيارين في ايران، الاول يتمسك وينحو نحو تعزيز موقع الولي الفقيه في النظام الاسلامي، وجعله محور النظام. والثاني يريد المزج بين الجمهورية الاسلامية ورأي الشعب.
ويعتقد العديد من المراقبين ان فترة رئاسة احمدي نجاد شهدت بشكل منهجي اقصاء معظم القوى الاصلاحية الوفية لمنطلقات الثورة الاسلامية عن ساحة التأثير، وهو ما اسس لهذه الاندفاعة الشعبية لدى القوى الاصلاحية مدفوعة بالقلق على مستقبل ايران وتجربتها. لذلك تجاوز الامر كونه صراعا على الرئاسة الى صراع بين تيارين او بين نظريتين للنظام الاسلامي.
حدود صلاحية ولاية الفقيه في الدولة الايرانية هو جوهر الصراع الذي يتحاشى اطرافه الاشارة اليه، لقد كان مفجر الثورة ومؤسس الدولة الامام الخميني شخصية استثنائية، استقطب التأييد والالتفاف الشعبي حوله، وقد نجح في ان ينأى بنفسه عن التدخل واستخدام صلاحياته الا في اللحظات الحرجة، فيما يتهم بعض الاصلاحيين المرشد الاعلى اليوم، بالانحياز لطرف دون آخر، والتدخل المباشر في عمل المؤسسات الدستورية والقانونية. ورمز المواجهة غير المعلن اليوم في التيار الاصلاحي رئيس مجلس تحديد مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، كما هو في المقابل المرشد الاعلى علي خامنئي. ونشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"قبل يومين ان اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لا تعتقد ان التظاهرات تشكل اي خطر على النظام الايراني في المستقبل القريب. هذا الموقف الاسرائيلي الدقيق لا يعني ان ما يجري في ايران اليوم يحفر عميقا في رسم معالم الجمهورية الثانية في ايران.