إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مرحلة جديدة في السياسة الأميركية - ناصيف حتي (المستقبل)

خطاب الرئيس باراك أوباما في القاهرة ينظر اليه وكأنه بمثابة "بداية التاريخ"، بداية التاريخ الأميركي الجديد في الشرق الأوسط بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام. من دون شك كان الخطاب بمثابة مؤسس لمرحلة جديدة في السياسة الأميركية أو توخياً للدقة، بمثابة خطاب واعد بمرحلة جديدة ومختلفة سواء في مجموعة الرؤى التي قدمها أو في المقاربات لقضايا المنطقة التي جاءت في الخطاب.
صحيح ان الخطاب جاء تحت عنوان إسلامي واسع يتوجه للعالم الإسلامي ككل، لكنه تمحور بشكل خاص حول الشرق الأوسط الكبير، من كابول الى غزة، وتحديداً حول العالم العربي من دون الحديث مباشرة عن هذا العالم وإليه.
خطاب أوباما شكل قطيعة مع سياسات سلفه على عدة مستويات منها ما يتعلق بالرؤيا لقضايا المنطقة ومنها ما يتعلق بالمقاربة الأحادية لتلك القضايا ولنمط الاستعلاء الذي يعكس شعوراً بالتفوق الأخلاقي والقيمي تجاه الآخر ومحاولة فرض نموذج جاهز للحكم على ذلك الآخر أياً كانت أهمية فلسفة ذلك النموذج أو مضمونه. شكل الخطاب قطيعة أيضاً مع منطق يقوم على استسهال اللجوء الى القوة والى عسكرة الديبلوماسية والى فرضية الصدام مع الآخر كقاعدة في العلاقات مع ذلك الآخر وسمة أساسية لتلك العلاقات. الخطاب الذي حمل بشكل عام بعدين احدهما ثقافي قيمي والثاني سياسي مبدئي شكل أيضاً قطيعة، أو لنقل وضع نهاية لمنطق ومزاج أيلول 11 (سبتمبر).
من خصوصيات صاحب الخطاب، الأمر الذي أعطى أيضاً مزيداً من المصداقية، انه الرئيس الأكثر عولمة وتنوعاً في أصوله العائلية وسيرته الشخصية، وانه استطاع بذلك ان يقدم نفسه كنموذج صادق للنموذج الأميركي القائم على مفاهيم الفرص للجميع والمساواة والتسامح وعدم التمييز.
ظهر في الخطاب التركيز على الشأن الديني وعلى التفاعل بين الأديان في فلسفتها العميقة الداعية لذلك. ونلاحظ ان الرئيس الأميركي ذكر الإسلام والمسلمين أكثر من أربعين مرة في كلمته، والرسالة واضحة في هذا المجال، انها رسالة الدعوة كما جاء في الخطاب لتأسيس علاقات على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة وعلى منظومة قيم الانفتاح ومحاربة الخوف وبناء الجسور مع الآخر ومحاصرة الفوبيا أياً كان مصدرها عبر التفاعل البناء والخلاق مع ذلك الآخر الموجود في جزء منه "عندنا". انه خطاب ركز على بناء الجسور الثقافية في عالم يشكل العنصر الثقافي أو عنصر الهوية دوراً أساسياً في صوغ العلاقات بين أطرافه دولاً وأشخاصاً ومجموعات وفضاءات ثقافية وجغرافية مختلفة.
شمولية الخطاب انعكست في العناوين السبعة التي حملها وأولها الحديث عن التطرف العنيف ومخاطره وكيفية مواجهته بعد أن أسقط أوباما من قاموس الديبلوماسية الرئاسية تعبير الإرهاب الذي شكل عند الإدارة السابقة عنواناً سهلاً مطاطاً ومرناً لمحاربة كل من لا يلتقي مع الولايات المتحدة في سياساتها. وتحدث أيضاً عن "أم المسائل"، وهي القضية الفلسطينية، التي تشكل الباب الأساسي للولوج الى علاقات أميركية عربية إسلامية مختلفة ولتغيير صورة أميركا في المنطقة. من أهم ما أورده في هذا المجال تأكيده على المساواة في المعاناة بين اليهود والفلسطينيين ما أزعج كثيراً الإسرائيليين وأصدقاءهم الذين يريدون دائماً احتكار تاريخ المعاناة لهم وحدهم، وهو أعاد المعاناة الفلسطينية الى تاريخ نشأة الصراع وليس الى احتلال عام 1967. لم يقدم بالطبع في خطابه رؤيته للتسوية، بل أكد على مبادئ عامة منها بالطبع مبدأ الدولتين اللتين تعيشان جنباً الى جنب والموقف الحازم الذي صار يتكرر في الخطاب الأميركي الجديد حول وقف الاستيطان وقد جاء في شكل يحمل عدة تأويلات، إذ ذكر أوباما "لا نقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية". وعلى صعيد آخر لم يأت الخطاب بجديد سوى تأكيد الموقف الأميركي فيما يتعلق بإيران مع الإعتراف والاعتذار عن دور الولايات المتحدة في إسقاط حكومة مصدق عام 1953، والتأكيد أيضاً على ان واشنطن تتطلع لعالم خالٍ من أسلحة الدمار الشامل. واللافت ان ما يميز هذا الخطاب أيضاً خيط رفيع من النقد الذاتي للسياسات الأميركية الماضية، من ذلك أيضاً حديثه عن الاستعمار وهو شيء جديد في خطاب رئاسي، ما يضيف الى مصداقية الرؤيا والأسس والتطلعات التي يحملها الخطاب. في الديموقراطية جاء كلام الرئيس الأميركي ليقيم توازناً بين التمسك بدعم الديموقراطية ورفض محاولة فرض نظام حكم، ولو ديموقراطي، على أي دولة أخرى احتراماً لخصوصيات وتقاليد كل شعب. انها عودة الى الواقعية في السياسة الأميركية ولكنها واقعية جديدة كما يصفها البعض من خلال إبقاء الضوء مركزاً ولو بخجل على المسألة الديموقراطية. المهم أيضاً في الخطاب تركيزه على مسألة الحرية الدينية التي يشكل احترامها ركناً أساسياً في إقامة علاقات ايجابية بين الشعوب وضمن المجتمعات نفسها، والتي تبقى مدخلاً لأي حديث جدي عن الديموقراطية في الداخل وعن شراكة الاحترام المتبادل في الخارج. نقطتان أخيرتان أيضاً حملهما الخطاب الشامل أولهما يتعلق بموضوع حقوق المرأة حيث رفض الخطاب المعيار الغربي في تحديد تقدم المرأة المتعلق بالشكل أو اللباس وركز على التعليم كمدخل أساسي للمساواة بين الجنسين وكمدخل بالتالي لحرية المرأة وتحررها، والنقطة الثانية تتعلق بالتركيز على التنمية الاقتصادية وعلى كونها لا ترتبط بثقافة معينة كالثقافة الغربية، وبالتالي لا يوجد نموذج أيضاً اقتصادي اجتماعي غربي يشكل الشرط الوحيد لعبور المجتمعات النامية الى التقدم. وفي السياق ذاته أيضاً دعا الرئيس الأميركي الى إقامة شراكات ذات أوجه متعددة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي تتناول مجالات التعليم والتكنولوجيا والأبحاث لإعطاء طابع شامل لهذه العلاقات.
دون شك كان هناك ترحيب كبير وظاهر وحار بالخطاب الذي هو بالطبع الشرط الضروري والمطلوب ولكن غير الكافي دون شك للمساهمة في تغيير صورة الولايات المتحدة وعلاقاتها بالعالم العربي بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام. فهناك دون شك إرث ثقيل من العلاقات السلبية والمتوترة الأميركية العربية الإسلامية خاصة في السنوات الثماني الأخيرة والانتقال من ديبلوماسية تحويلية ذات أجندة قسرية أميركية تجاه العالم العربي والإسلامي نحو ديبلوماسية تفاعلية تقوم على المشاركة والحوار وتعددية الأطراف مع الآخر شيء أساسي وضروري. لكن من الطبيعي ان تبقى هناك درجة كبيرة من الحذر وليس بالضرورة من التشكيك في قدرة الولايات المتحدة على الانتقال من النظرية الى التطبيق. فالولايات المتحدة لا تختصر برئيسها فهناك قوى فاعلة ومؤثرة كما ان هنالك قضايا داخلية ودولية وعالمية ضاغطة أيضاً على الأجندة الأميركية وهي كلها تطرح تحديات حول كيفية ترجمة هذا الخطاب الى خريطة طريق وسياسات فاعلة. سياسات تساهم في تغيير الأوضاع في المنطقة نحو الأفضل وهذه ليست مسؤولية أميركا وحدها طبعاً ولكنها تبقى مسؤولية أميركية أساسية، لا تعفي الآخرين والعرب تحديداً في تحمل مسؤولياتهم، لكنها مسؤولية أميركية أساساً كون واشنطن ساهمت دائماً في صنع هذه الأوضاع المتردية أو في الحفاظ عليها، وكونها الأكثر قدرة على إحداث التغيير المطلوب في المسألة الأهم لتغيير الصورة الأميركية وعلاقات أميركا في المنطقة وهي القضية الفلسطينية في مختلف جوانبها.

← العودة إلى مختارات