الرئيس سليمان لـ"النهار": لبنان مقبل على التغيير في اتجاه الأفضل

"وحدة الجيش والديموقراطية الميثاقية واستعادة ثقة الخارج ركائز أساسية للمستقبل"
لا نلبس قفازات مع سوريا ونتعامل معها محافظين على مصلحتنا
يطل رئيس الجمهورية ميشال سليمان على السنة 2010 بقدر واسع من الثقة حيال الوضع اللبناني، إن على المستوى الداخلي او على مستوى علاقات لبنان الخارجية. ويعكس هذه الثقة بوضوح في حديثه الى "النهار" مفندا ثلاث ركائز اساسية في "البناء للمستقبل، هي الجيش الذي أثبت قدرته على الصمود والبقاء موحداً، والديموقراطية الميثاقية السلمية التي اجتازت امتحانات مهمة في لبنان جعلت المجتمع الدولي اقرب الى تفهمها، واستعادة لبنان ثقة الخارج بقدرته وبوضعه خصوصا مع تجاوزه الازمة المالية العالمية".
هذه العوامل تترك اثرها في مواقف رئيس الجمهورية وتطلعاته الى الاستحقاقات الآتية التي يعتبر ان لبنان يقبل عبرها على "التغيير في اتجاه الافضل". ويكشف انه سيحسم موضوع معاودة طاولة الحوار مجددا في المهلة المتبقية من نهاية الشهر الجاري، على ان يكون موضوع الاستراتيجية الدفاعية هو الاساس وكل ما يتصل بها في حال توافق افرقاء الحوار على ذلك. ويعلن انه وجه دعوة الى الرئيس السوري بشار الاسد لزيارة لبنان وعد بتلبيتها في الوقت المناسب، وان دمشق ابدت استعدادها للتعاون في موضوع السلاح خارج المخيمات، موضحاً ان العلاقة مع دمشق "صحية وعلى مسافة صحيحة بما يحافظ على سيادة لبنان"، وان الاتصالات التي يجريها بالرئاسة السورية تقع غالبا في اطار التنسيق في مواضيع تتصل بالسياسة الخارجية. كذلك يكشف عن زيارتين يعتزم القيام بهما لروسيا والصين في اطار الدور الجديد للبنان عضوا في مجلس الامن.
يبدي الرئيس سليمان في حديثه الى "النهار" ارتياحا او تفاؤلا لا يخفيه انطلاقاً من ان "لبنان خطا خطوات لا بأس بها على طريق بناء الثقة به مجددا وفق ما شهد خلال عام ونصف عام امضاها في رئاسة الجمهورية حتى الآن وتبني نهج حكم يقول رئيس الجمهورية انه اختطه لنفسه وللبلد وبدأ يجد له سبيلا يعتمده الآخرون. ويعتبر انه "يمكن استخلاص ثلاثة امور من الاعوام العشرة الماضية من اجل الارتكاز عليها والبناء للمستقبل. احد ابرز هذه الامور الجيش اللبناني الذي اظهر في مختلف المحطات التي عايشها وواجهها خلال هذه الفترة وتحديدا منذ صدور القرار 1559 عام 2004 وحصول التظاهرات والاغتيالات وصولا الى حوادث نهر البارد، قدرته على الصمود والبقاء موحّدا، فيما كانت المخاوف سابقا من انقسامه لدى مواجهته تحديات مماثلة. ولذلك اعتقد انه ما دام لبنان بخير فان الجيش يكون بخير ايضاً، وهو اثبت انه لن ينقسم ويمكن ان نبني المستقبل بالاستناد الى ذلك، ونحن سنعمل على ان تكون وحدة الجيش هي الضمان والاساس".
الامر الثاني وفق ما يحدده سليمان هو "النظام الديموقراطي، وبدت الديموقراطية سليمة في لبنان بناء على تجربة بقائه خمسة اشهر من دون حكومة، بحيث أن التأخير في تأليفها ادى عمليا الى انفتاح ابواب الحوار بين مختلف الافرقاء. ويرى "ان المجتمع الدولي بات اقرب الى تفهم الديموقراطية الميثاقية أو فهمها اكثر من اي وقت مضى بناء على الاحداث التي واجهها العالم خلال الاعوام العشرة الماضية والتي انتهت الى خلاصات بعدم وجوب استبعاد الاقليات حتى في النظم الديموقراطية عن الحكم، بل اشراكها فيه. وتاليا فان النظام الديموقراطي بات موجودا بحيث يمكن الارتكاز عليه في رأيه من اجل تقويته ومن اجل التعامل مع المشكلات التي تواجه لبنان من دون التسبب بخض النظام".
اما الامر الثالث فيتصل، كما يقول الرئيس سليمان، "باستعادة لبنان ثقة الخارج بقدرته وبوضعه خصوصا مع الازمة المالية التي واجهتها غالبية دول العالم وامكن لبنان عبورها بالحد المقبول من دون خضات تذكر. وهذه الامور الثلاثة تتيح لنا ان نقول ان لبنان يقبل على التغيير في اتجاه الافضل اذا استطاع المحافظة على العبرة من هذه الدروس، أي اطلاق المؤسسات التي تضمن حقوق الناس من جيش وقوى امن داخلي فضلا عن القضاء الى جانب ضرورة عمل وزارات الخدمات في تلبية حاجات المواطنين والانتقال من هذا كله نحو اصلاح المؤسسات بدءا من التعيينات التي يتم التحضير لها".
المصالحات والحوار
ويبدي رئيس الجمهورية ارتياحه الى المصالحات واللقاءات الجارية كاشفا انه طمأن في زيارته الاولى للعاصمة الفرنسية وخلال جولاته الخارجية الى "ان المصالحة بين المسؤولين اجبارية وانه لا يحق لهم الاختلاف على حساب الشعب"، معتبرا "أن من لا يلحق بقطار المصالحة سيلومه الناس. وليس مهماً كيف ومتى انما المهم النتيجة، شأن المصالحات في ذلك شأن امور كثيرة قد تنسب الى طرف او دولة ما"، علما ان سليمان يكشف اضطلاعه بدور كبير واساسي في اتجاهات عدة.
وعن طاولة الحوار يقول: أن لا تصور كاملا لديه راهنا ولكنه في وارد اعلان شيء ما في هذا الصدد في المهلة الفاصلة عن نهاية الشهر الجاري في انتظار بلورة الصيغة الامثل التي ستعاود على اساسها طاولة الحوار". ولا يخفي وجود طلبات كثيرة ضاغطة للمشاركة في الحوار. ويوضح لـ"النهار" ان الموضوع الاساس على طاولة الحوار سيكون موضوع الاستراتيجية الدفاعية وكل ما يتصل بها في حال وافق الافرقاء حول الطاولة على طرح المواضيع ذات الصلة"، مؤكدا ان "ليس وارداً لديه كما لدى رئيس الحكومة وربما افرقاء كثر ان يأخذوا ادوارهم على طاولة مجلس الوزراء، "وتاليا فان ما يصب في خانة الاستراتيجية الدفاعية هو البحث ايضا في القدرات التي لدى لبنان عسكرياً وبشرياً واقتصادياً، وصولا الى السلاح من اجل الدفاع عنه واذا وجد اي خلل يتناقض مع موضوع الاستراتيجية الدفاعية، فيعود الى المتحاورين انفسهم البحث في الموضوع أو لا"، مشيرا الى ان "موضوع السلاح خارج المخيمات يتصل على سبيل المثال بالاستراتيجية الدفاعية وسنتحدث فيه وننفذه".
ورداً على سؤال عن عدم تنفيذ القرار المتخذ حول السلاح خارج المخيمات حتى الآن نتيجة غياب التعاون السوري في هذا المجال، يكشف انه أثار الموضوع في الزيارة الاخيرة التي قام بها لدمشق مع الرئيس بشار الاسد، لان بعض هذه المخيمات موجود في البقاع على الحدود المشتركة بين البلدين، ولا بد من التنسيق مع سوريا في هذا المجال، وقد ابدى الرئيس السوري استعداده للتجاوب مع كل ما يتبناه لبنان بالاجماع من دون ان يفهم ذلك المساعدة العسكرية.
مع سوريا
ونسأل رئيس الجمهورية عن الانتقادات لهذه الزيارة لحصولها على نحو مفاجئ لعدم وجود اسباب ظاهرة او غير معلن عنها سابقاً، فضلا عما تثيره زياراته الخارجية عموما بما فيها الانتقادات لزيارته للعاصمة الاميركية، فلا يخفي استغرابه للضجة التي تثار موضحا جملة امور من ابرزها "ان كرامة لبنان ورئيسه قائمة في اي تحرك يقوم به. وهذا الحق يعود اليه من ضمن الصلاحيات التي نصت عليها المادة 52 من الدستور بحيث لا يحق له التفاوض مع الخارج في اجراء معاهدات انما يقوم بذلك بالتنسيق مع رئيس الحكومة، لكن اتصالاته والعلاقات مع الخارج امر يعود اليه وهو من الصلاحيات القليلة المتبقية لرئيس الجمهورية بما اتاح له حتى الان العمل على تحسين موقع لبنان، علما انه، كما يقول، يطلع بشفافية كبيرة مجلس الوزراء على مضمون الزيارات.
ثم انه اذا كان على رئيس الجمهورية ان يلبي كل هاجس يعبر عنه البعض لأسباب معلنة او خافية فانه سيكون عاجزا عن العمل. ويقول "أننا لا نلبس قفازات في التعامل مع سوريا. نتعامل معها من دون قفازات انما نحافظ على مصلحة لبنان فلا نقول للسوريين ان مصلحتهم قبل مصلحتنا لان ذلك غير صحيح ولن يصدقونا، بل نريد مصلحة لبنان وكل ما تمليه مصلحة البلدين". ويكشف رئيس الجمهورية "اقفالا لباب الاجتهادات والتكهنات عن وتيرة الاتصالات التي يجريها بنظيره السوري، انها مرتبطة في جزء اساسي وكبير منها بالتنسيق في عدد من المسائل والامور عشية الزيارات الخارجية التي يقوم بها، بحيث يمكن لبنان، على غير ما يعتقد او ينسج البعض، ان يؤدي دوراً ايجابياً بناء حتى في العلاقات الثنائية بين لبنان او ما يتصل به من حيث علاقات سوريا مع الخارج، بحيث ان التنسيق في السياسة الخارجية ومواضيع السلم وما الى ذلك يشكل عاملا مهما، تماما على ما يمكن ان يشكله تنسيق سوريا مع تركيا مثلا في موضوع المفاوضات غير المباشرة". ويسأل: "اذا كان من الافضل للبنان ادارة ظهره لسوريا وعدم التنسيق في الشؤون الخارجية"، مشددا على اقتناعه بأنه "من الافضل ان تبدأ العلاقة بين البلدين بعلاقة صحية مع المسافة الصحيحة التي تحافظ على سيادة لبنان، وانا مددت يدي لهذا النوع من العلاقة لثقتي بانه يمكن لبنان ان يحافظ على مسافة تحفظ له كرامته وسيادته"، من دون ان ينفي واقع تأثير الدول الكبيرة على الاخرى الصغيرة المجاورة لها.
ويكشف سليمان انه وجه دعوة الى نظيره السوري لزيارة لبنان وانه لا بد له من هذه الزيارة، وان الرئيس السوري ابدى استعداده لذلك، على ان يتم الاتفاق على الموعد حين يكون الوقت مناسبا للزيارة. كذلك يكشف تلقيه اصداء ايجابية عن الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق من الجانبين اللبناني والسوري على حد سواء.
مع أميركا
وعن نتائج الزيارة التي قام بها لواشنطن يقول "اننا نعرف ان الولايات المتحدة تسير بهدوء في موضوع تسليح الجيش، وان ما تقدمه لنا نحن في حاجة اليه فعلا. لكننا نحاول ان نقنعهم بان يقدموا الينا سلاحا متطورا لاننا سنبقى ضعفاء اذا لم نمتلك القدرة للدفاع عن حدودنا. وهذا الموضوع اثرته مع الرئيس باراك اوباما، اضف الى ذلك ان لدينا دوراً في مكافحة الارهاب والتصدي له لا يفيد لبنان وحده بل المجتمع الدولي ايضا. وان توفير السلاح لنا لا يعني اطلاق النار على اسرائيل ولا احد يريد مهاجمة اسرائيل انما نريد امتلاك القدرة على الدفاع. لكن المسألة هي لدى الكونغرس الاميركي ايضاً، علما ان وفدا عسكريا رفيعا برئاسة وزير الدفاع يتوجه قريبا الى الولايات المتحدة للبحث في الموضوع".
ورداً على سؤال عما اذا كان التردد او الممانعة الاميركية يتصلان بالمخاوف من سيطرة "حزب الله" على هذا السلاح او خوفا من شن حرب على اسرائيل، يقول رئيس الجمهورية "ان السيرة الذاتية للجيش اللبناني مطمئنة جدا في هذا الاطار نتيجة تجارب طويلة لم يذهب خلالها السلاح الى اي طرف خارج الجيش. اما قضية السلاح الذي يمتلكه الحزب فبين 2006 و2010 اي منذ اقرار القرار 1701 لم تحصل خروق من الحزب ضد اسرائيل، وان الحوادث التي حصلت في الجنوب قامت بها فئات متطرفة عمد الجيش الى وقفها عند حدها وعدم اتاحة الفرصة امام تطوير نشاطها، علما ان هذه الفئات هي نتيجة قهر اسرائيل وممارستها وتهجيرها. ولم يخف سليمان انه لم يبحث في واشنطن ولا في فرنسا القرار 1559 بل القرار 1701، ولو ان الاول هو جزء ضمني من الثاني، مع تأكيده ان موضوع سلاح الحزب يناقش من ضمن الحوار.
ومع تطلع لبنان الى الاضطلاع بدوره في مجلس الامن، يكشف زيارتين سيقوم بهما في المدى القريب لكل من روسيا والصين بناء على دعوة وجهت اليه من الدولتين انطلاقا من اعتبار بسيط انه لا يمكن لبنان ان يعزل نفسه بعيدا من هذه القوى الاساسية.
وبالعودة الى الموضوع الداخلي، يقول رداً على سؤال عن إلغاء الطائفية السياسية التي ينوي رئيس مجلس النواب شرحها في مؤتمر صحافي يعقده اليوم في مجلس النواب، "ان إلغاء الطائفية السياسية يبدأ اولا بالغاء المارونية السياسية والسنية السياسية والشيعية السياسية وكذلك الدرزية السياسية. والباب الى ذلك هو التعيينات الادارية، حيث ينبغي تعيين الشيعي ليس لانتمائه الطائفي بل لانتمائه الوطني وكفايته وكذلك السني وسواهما. واذا بدأنا بذلك، نكون سجلنا خطوة كبيرة. فأنا لست ضد المناصفة في المؤسسات الكبيرة، بل هو امر واجب ولا استطيع من موقعي الا ان اكون مع ما نص عليه الدستور. وفي الاعوام الماضية تبين انه يجب اشراك الجميع في المسؤوليات، لكن ارى وجوب المحافظة على المناصفة في المؤسسات الكبيرة في الدرجة الاولى لان الغاءها يعني الغاء هذا البلد والانتقال الى الاصلاحات واللامركزية والزواج المدني والتفكير ربما في موضوع العلمنة وتحديث قانون التربية وما الى ذلك قبل مقاربة موضوع الغاء الطائفية"، علما ان بري سبق ان طرح الموضوع على طاولة الحوار وكان طلب سليمان تأجيل البحث فيه ربما مع المقاربة الجديدة لطاولة الحوار المقبلة.
روزانا بومنصف