إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
حوار/

أحمد بيضون لـ"السياسة": الحرب الإسرائيلية المدمرة للبنان... آتية

رأى أن الديمقراطية ماتت والطوائف تبحث عن يقينها في الخارج

* الولاء الشيعي لسورية هو الأقوى اليوم ولكنه ليس أصلياً
* الحرب هي التي فرضت اختزال الطائفة بقيادتها السياسية
* رئيس الجمهورية كان الحكم ولكن هذا الدور صودر منه
* سورية صنعت منذ 1973 قفصاً للعدوانية الإسرائيلية

يبتعد الحوار مع أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية الدكتور أحمد بيضون عن يوميات السياسة اللبنانية والعربية والإقليمية، رغم أن الأسئلة تخص هذه اليوميات، وتبدو الأجوبة وكأنها عنها. ذلك أن البحث في ثنايا سياسات الدول والأطرف من باحث ومفكر كالدكتور بيضون، لا يرضى بالظاهر، أو يكتفي بالمُعلن. إنما يذهب إلى ما خلف الصورة ويفكر علميا بما هو كامن ومستتر، مُستخدما أدوات البحث اللازمة: التوصيف السوسيولوجي لمكونات اللعبة السياسية، تعريف الظواهر الاجتماعية والسياسية، استقراء التاريخ المسؤول عن أمور حاضرة، ورسم الخطوط العريضة لحركة الأحداث، التي تفسر هذا التفصيل أو ذاك من ماض قريب، أو بعيد. وفي نهاية المطاف، استشراف آفاق ومآل هذه الحركة في المستقبل. يستمتع الدكتور بيضون، صاحب عشرات المؤلفات والدراسات والأبحاث والمقالات، بإجراء حوار سياسي مُستخدماً "عدة شغل" غير سياسية. هكذا يتفوق الفكر على المُناورة. ويفضح العلم المُؤامرة. ويغدو المستقبل اللبناني والعربي والإقليمي أمراً معلوماً ولو حزيناً قاتماً.
في لبنان، يؤكد الدكتور بيضون أن استمرار سلاح "حزب الله" خارج إطار الدولة، سيؤدي إلى مزيد من الحروب التدميرية الشاملة على لبنان. ويُذكر أن الرغبة الإيرانية أملت في العام 2000 عدم استغلال فرصة التحرير، لجعل السلاح في خدمة المصلحة الوطنية اللبنانية، فأدى ذلك إلى حرب 2006 ومن ثم إلى أحداث 7 مايو ،2008 التي كان يجب تجنبها بأي ثمن.
ويصف بيضون كيف أن الولاء الشيعي لسورية هو الأقوى اليوم، ولكنه ليس ولاءً أصلياً، إنما الولاء الأصلي لإيران نظراً إلى التجانس الرمزي المذهبي بين شيعة لبنان وإيران، والتي يرون في العلاقة معها نوعاً من التوسع نحو بحرها.
وإذ يستبعد أن توجه ضربة عسكرية إلى إيران بسبب برنامجها النووي، أكد أن فرض المزيد من العقوبات المؤثرة عليها، قد يجعلها ترد على إسرائيل في لبنان عبر "حزب الله". ويؤكد الدكتور بيضون أن إيران لن تنال من الغرب ما يُلبي مطامحها الإقليمية في المنطقة العربية، ما سيؤدي إلى استمرار النزاع، فتواصل طهران سياسة خلخلة الدول الوطنية في المنطقة، وآخر مثال عليها الموقف في اليمن.
وفي عمق التكوين اللبناني يغوص بيضون فيرى أن الديمقراطية اللبنانية كُفت عن العمل وماتت بفعل تحكم بعض القيادات بطوائفها وربط هذه الطوائف بشكل عميق بالنزاعات الإقليمية، بحيث يستحيل تشكيل حكومة في لبنان لتعالج المشكلات المتفاقمة، من دون حصول تفاهم إقليمي.
ويُحذر من أن لبنان يتجه إلى أحد احتمالين، فإما انفجار النزاع الأهلي، وهذا يتطلب قراراً خارجياً غير متوافر حاليا، وإما الانهيار تحت وطأة المُشكلات الكبرى، وهذا الاحتمال المرجح. ويصف بيضون حال المجموعات اللبنانية الأساسية والمسببة لهذا الواقع بأنه، إما ينطوي على يقين خارجي لا يتزحزح، وإما أنه تابع ليقين مُلتحق، أو خاضع لحسابات القوة.
ويقرأ بيضون في الواقع الإقليمي والدولي تغييراً في السياسة الأميركية، يتخلى عن استخدام القوة العسكرية، ما يجعل دمشق متحررة من الضغط الذي يكبحها عن إيذاء القوى السياسية اللبنانية التي تُعاديها.
"السياسة" حاورت الدكتور بيضون على النحو الآتي:

ما الأسباب الحقيقية والعميقة لتعثر تشكيل الحكومة في لبنان?
أساس المُشكلة هو المُصادرة الخانقة لطوائف رئيسة من جانب قياداتها السياسية، أو من جانب التنظيمات السياسية التي تُهيمن على مُقدراتها وتحتكر تمثيلها. هذا الوضع جعل كل طائفة مرهونة التمثيل في السلطة بإرادة طرف واحد، وبما يطل عليه هذا الطرف من مصالح وصراعات في محيط البلاد، كما أن هذا الوضع جعل من كل الأطراف، لا يُستغنى عنها. وأخلى البلاد، بالتالي، من البدائل وما تتيحه البدائل من مرونة في التجاذب السياسي، وفي عمليات من نوع تشكيل حكومة وما إلى ذلك.
حين يكون الطرف مُدركاً أنه لا بديل له ولا يُستغنى عنه، تصبح قدرته على تعطيل المُؤسسات الدستورية، ولو بمفرده، من دون حدود تقريباً، ويميل، بطبيعة الحال، إلى التصلب ويصبح غير ميال إلى التنازلات المقبولة، المفترض تقديمها من جميع الأطراف، حتى تستقيم العملية السياسية. وما يجعل هذا الميل إلى التصلب غالباً، هو أولاً الضغوط التي يتعرض لها الطرف السياسي من قواعده ومن الوسط المعبأ الذي يتحرك ضمنه، والذي لا يرضى لمن يمثله إلا بموقع الغلبة وبالحصة الكبرى وما إلى ذلك. وما يُعزز هذا الميل أيضاً هو التوجيه السياسي المُستقى من النزاعات الإقليمية الدائرة، وهي معروفة.
هذا هو أساس المعضلة التي غرق فيها لبنان، لا اليوم فقط، بل مُنذ سنوات الحرب. والواقع أن الحرب هي التي فرضت اختزال الطائفة بقيادتها السياسية. وقد غطي هذا الأمر مُدة عقد ونصف العقد، بعد انتهاء الحرب، بالدور السوري. هذا الدور كان مُهيمناً وكانت له قوة التحكيم، التي تمكن مقارنتها، مع حفظ الفوارق، بالدور الذي كان لرئاسة الجمهورية قبل الحرب. مارس الوصي السوري هذا الدور في تلك المُدة، وحين اضطر إلى الخروج من لبنان انكشف الأمر، انكشف واقع كان الدور السوري يغطيه، وظهر ما أحدثته الحرب، بأطرافها الداخليين والخارجيين، من خراب في أساس النظام اللبناني، المختل أصلا، وفي منطق عمله.
تُشيرون إلى نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي كرست الزعامات الطائفية الأحادية. ولكن ألا يعني هذا أن لبنان يعيش الفيدرالية الطائفية والمذهبية المُقنعة?
هناك في الواقع فدرلة نزاعية. هي ليست فيدرالية مُستقرة ومعروفة القواعد، بما هي نظام، ولها مُؤسساتها. هي فدرلة بلا قواعد مستقرة تضبط العلاقات مؤسسياً ما بين الطوائف. بالطبع كان يقال دائماً إن لبنان فيدرالية طوائف، وكان يقال إن النظام التعددي اللبناني هو نظام فيدرالي مموه، وإنه ليس فيدرالية جغرافية، بل فيدرالية شخصية. أي أنه يقوم على وضعية اتحادية بين شخصيات معنوية هي الطوائف لا تستقر كل واحدة منها بالضرورة في منطقة بعينها. بنتيجة الحرب، تقدمنا شوطاً نحو الفيدرالية الجغرافية، لأن الاختلاط الذي كان قائماً قبل الحرب، تقلص وضاق نطاقه إلى حد بعيد. لكن الفيدرالية السياسية تفترض، لتستقر، توافقاً بين الأطراف على السياستين الخارجية والدفاعية وعلى توزيع العبء الضريبي المركزي، وعلى سياسة الإنفاق المركزي. وهذه على وجه الدقة، هي محاور الخلاف الرئيسة بين الأطراف اللبنانيين. فلا يسوغ الحديث، مع هذا الخلاف، عن نظام فيدرالي، قائم أو مُمكن.
من جهة أخرى، فقدت ابتداء من عامي 2004 و2005 قوة التحكيم التي أشرنا إليها والتي كانت سورية قبل ذلك. وكان "دستور الطائف" قد أضعف قوة التحكيم الوطنية، التي كان يُمكن أن تخلف قوة التحكيم السورية، وهي رئاسة الجمهورية، على الصورة التي عرفناها قبل سنوات الحرب. بالطبع كانت لهذا الاضعاف أسبابه. فإن هيمنة رئيس الجمهورية المُنتمي إلى طائفة بعينها، كانت واحداً من مدارات الحرب، ولم يكن مُمكناً (ولا يزال غير مُمكن) تجاهل هذا الأمر وإبقاء الأوضاع على ما كانت عليه في المرحلة السابقة.
ولكن، من ناحية أخرى، كان "اتفاق الطائف" قد أرسى قواعد لما أطلق عليه اسم المرحلة الانتقالية. هذه المرحلة، كان يجب أن تسوقنا إلى "إلغاء الطائفية السياسية". ولو وصلت البلاد إلى هذا البر، لكان ممكناً إذاك أن يُعاد البحث في تكوين جديد لقوة التحكيم الوطنية يرد إليها تماسكها. ذلك أن مؤسسات السلطة لن تعود إذاك مرتبطة بهذه الطائفة أو تلك، وستبطل الحجة التي وضعت خلال سنوات الحرب، بل قبلها بزمن بعيد، في وجه القوة المفرطة لرئاسة الجمهورية.
كيف تصف أوضاع الطوائف اللبنانية الرئيسة وعلاقاتها في ما بينها?
إذا بدأنا بالموارنة أمكن أن نُلاحظ أنهم اليوم جماعة مُفتقرة إلى اليقين في السياسة. ولذا هم منقسمون. وانقسامهم يُلحقهم بيقينين متواجهين من طريقين غير مُباشرين. بمعنى أنه إذا سلمنا أن كلاً من الطوائف اللبنانية الرئيسة مُلتحقة اليوم بقطب من الأقطاب الإقليمية والدولية، فإن الموارنة، من جهتهم، ملتحقون بالواسطة، وليسوا مُلتحقين مُباشرة. وفي هذا دليل على التراجع الذي أصاب الموقع الماروني في البلاد.
الطرفان الآخران نجد كلاً منهما منطوياً على يقين لا يهتز.
اليقين السعودي في حالة السنة. واليقين الإيراني في حالة الشيعة. وما خلا ذلك فهو على الأرجح أقل أهمية، وإن بقي مهماً جداً. هو يقع في باب الاستكمال والتسهيل والخضوع لإلزامات وضع مُعين، ولحاجاته، ولشروط حيازة القوة وممارستها.
مثلاً: الدور السوري والالتحاق به، لا يعد أصلياً في حالة الشيعة. الأصلي هو الإيراني. هذا لا يمنع أن الدور السوري بالغ الأهمية والفاعلية، في حالة الشيعة، بسبب السطوة التي للجار السوري على لبنان كله، ولأن ممارسة الدور الإيراني نفسه مشروطة أصلاً بالرضى السوري، ومرتبطة بالتحالف السوري الإيراني. وعليه فإن شرط فاعلية الدور الإيراني في لبنان، هو أن يكون المعبر السوري مؤمنا له. ولذلك أسباب جيوسياسية لا جغرافية فقط.
بعبارات أخرى، نجد أن الولاء للنظام السوري أمكن أن يتقلب بين الطوائف في مدى الأربعين سنة الماضية. فتارة كان الموارنة هم حلفاء السوريين، وتارة كان السنة هم الحلفاء. واليوم يبدو أن الشيعة هم الأكثر ولاء للدور السوري. هذا التقلب يعني أنه لا يوجد شيء أصلي، لا فكاك منه في علاقة هذه الطائفة أو تلك بسورية. لا يوجد جاذب يقع في خانة التجانس العميق بين الطائفة وبين النظام السوري.
في الحالة الإيرانية، الأمر مختلف. والموضوع ليس موضوع المساعدات المالية والعسكرية والسياسية وحدها. هناك جانب آخر أسميه الجانب الرمزي، وهو ذو أهمية بالغة في تكوين العلاقة بين الشيعة وإيران. ذاك هو التجانس المذهبي، وهو الذي يجعل من الولاء نوعاً من التوسع للهوية الشيعية اللبنانية نفسها، يفيض عن الحدود الوطنية، بجاذب من بحر مجانس هو البحر الإيراني. أقول هذا بلا غفلة عن العامل "الاصطناعي" في هذا "الفيض" أو "الطوفان" وهو يتمثل، قبل كل شيء، في جهود "تربوية" جبارة، إيرانية المصدر والمشرب، بدلت في صفوف الشيعة اللبنانيين، كباراً وصغاراً، في غضون العقود الثلاثة الأخيرة، وغيرت كثيراً من ملامح التشيع اللبناني التي كنا نعرف.
الشيء نفسه يقال في العلاقة بين السنة والمملكة العربية السعودية. تقدمت السعودية إلى هذا الموقع بعد تراجع الدور المصري وعزوف المصريين عن التدخل الواثق والفاعل، لا في السياسات العربية على مستوى الدول ربما. ولكن على الأقل، في استقطاب الولاءات الشعبية داخل هذه الدولة العربية أو تلك، من داخل الدولة المذكورة أو من فوق كتفها. فالمصريون بعد عبد الناصر تركوا هذه اللعبة إلى حد بعيد.
على هذا تبدو السعودية اليوم في المقدمة لجهة قيادتها تياراً غالباً من الإسلام السني في العالم العربي. وهنا أيضاً تبدو المجانسة الرمزية قوية وراسخة، خصوصاً أنها ترسو في حالة السنة اللبنانيين على تكوين اجتماعي واقتصادي أيضا. فالطائفة السنية اللبنانية يوجه خياراتها السياسية نفوذ الطبقة الوسطى، ولفئة رجال الأعمال فيها فاعلية وأهمية كبيرة. وهذا الوسط يجمعه تجانس مصالح بالسعودية، لا لجهة ما هو قائم من علاقات مادية فعلية بين الطرفين فقط، وإنما أيضاً لجهة المثل، أي لجهة تصور ما يجب أن يكون عليه المجتمع اللبناني، وما يجب أن يغلب على سلم القيم والأولويات في هذا المجتمع. هذا التصور يندرج في ما يُمكن أن نسميه التوجه السياسي الاجتماعي للمملكة العربية السعودية، في المجال العربي، أي ما تفضل السعودية أن تكون عليه الأحوال في سائر البلاد العربية، وأن تكون عليه الأولويات والتوجهات السياسية.
كيف ينعكس ارتباط الطوائف اللبنانية بمن يُجانسها مذهبياً في الخارج على الواقع الداخلي، وعلى علاقاتها ببعضها البعض، ولنأخذ الشيعة كمثال، لا سيما بوجود السلاح?
هي تنعكس في الواقع انعكاساً نزاعياً وثمة مواجهة كما هو معروف بين ما يطلق عليه اصطلاحاً اسم "14 آذار" و"8 آذار". هذا النزاع انطلق من وقائع دموية وصحبته هذه الوقائع مدة من الزمن، وآخر تجلياته غير البعيدة أحداث 7 مايو 2008، وقد سبق ذلك مراحل وأحداثاً معروفة ولا ضرورة لاسترجاعها منذ خريف العام 2004.
هناك إذا حالة نزاعية تحيل البلاد في الواقع إلى علبة بريد كما يُقال، تتبادل فيها الرسائل، ويتبع فيها التأزيم أو الانفراج مواقف تتحدد في الخارج، أو على الأقل نوع من التركيب بين المواقف التي تتحدد في الخارج، وحسابات القوى الداخلية.
في ما يتصل بالسلاح: لا شك أن هذا الأمر يطرح، بسبب جسامة مفاعيله، مشكلة يُمكن اعتبارها الأضخم والأعصى على الحل من بين كل المشكلات الأخرى التي تواجهها الدولة، ويواجهها اللبنانيون في هذه المرحلة. لو كان للقيمين على السلاح قدر من الاستقلال بتصرفهم يبيح لهم الاستجابة إلى دواعي الاستقرار الوطني وتماسك الدولة والمجتمع، لأمكن أن يبدأ علاج مُشكلة السلاح منذ عام 2000. في ذلك العام تحرر الجنوب اللبناني المحتل. وخرج جيش الاحتلال وأعوانه على الصورة المعلومة بعد التضحيات الجسيمة التي بذلت منذ العام 1982، واشتركت فيها أطراف عدة، ثم انفرد بها "حزب الله" في ظروف نزاعات دموية داخلية، استغرقت السنوات الأخيرة من الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي. هذا الحدث الكبير، بما هو مكون لمنجز ضخم من منجزات الوطن اللبناني، لم يُبن عليه ما يرعى مصالح هذا الوطن الكبرى وسلامته الأساسية. كان ممكناً الانطلاق من هذا الحدث، لتأسيس مرحلة جديدة من سيرة الموقع اللبناني في النزاع العربي - الإسرائيلي. وكان ممكناً النظر في ما هي عليه الحال بعد العام 1973 بين سورية وإسرائيل، ولاحقاً بين مصر وإسرائيل، والأردن وإسرائيل. كان يُمكن التفكر في هذه التجارب، لا لنسخها أو الاقتداء بها، ولكن لابتداع صيغة لبنانية ترعى المصلحة الوطنية اللبنانية وتحلها محل الصدارة... صيغة كان لابد أن تأتي أفضل من الصيغ التي اعتمدتها الدول المذكورة، لأن لبنان لم يكن ثمة ما يسوقه إلى معاهدة صلح مع إسرائيل. كان ممكنا التأسيس على اتفاق الهدنة، كإطار لحفظ المصالح اللبنانية، وهو أي الاتفاق قد حفظ سلامة لبنان فعلياً، رغم الخروقات المحدودة، مدة 20 عاماً بين العامين 1948 و1968.
كان يُمكن التأسيس على ذلك، وكان يُمكن توظيف السلاح الذي بحوزة "حزب الله" إذا تم إلحاقه بسيادة الدولة وقرارها، حتى يكون عنصراً في هذا التشكيل الجديد للموقع اللبناني من النزاع العربي الإسرائيلي. ولم يكن متوجباً بالضرورة إذاك أن يطرح موضوع التخلي عن سلاح "حزب الله"، وإنما كان المطلوب إدراج إمرته كليا في الإطار اللبناني، بما يحفظ البلاد ويصون بشرها وعمرانها. عوضاً عن ذلك أملت الرغبة الإيرانية والدور السوري توجها مخالفاً لهذه الغاية، فانتهينا إلى مزيد من انكشاف البلاد ومن تورطها في الصيغة الحربية للنزاع العربي الإسرائيلي. وقد تجلى ذلك في حرب العام 2006 خصوصاً، هذه الحرب أسفرت بدورها عن مزيد من التوريط المقبل للبلاد في منطق المواجهة العسكرية المنفردة مع إسرائيل.
بالطبع يسوغ هذا الأمر عادة بالحديث عن الطبيعة العدوانية لإسرائيل. لا أعتقد أن حديث الطبائع هو حديث مقنع، أو يُمكن البناء عليه في الحسابات السياسية والستراتيجية. وحتى إذا سلمنا أن إسرائيل "وحش" ذو "طبيعة" عدوانية، فالوحش قد يُدعى إلى المبارزة دورياً، وقد يُصنع له قفص. والخياران مُختلفان جداً الواحد عن الآخر. وما أراه أن دمشق، ورغم تفاوت القوة العسكرية بينها وبين إسرائيل، ورغم وجود أرض مُحتلة لها منذ العام 1967، قد صنعت قفصاً، منذ حرب 1973، للعدوانية الإسرائيلية، وأمكن أن تضبطها طيلة هذه المدة. وهذا ما فعلته القاهرة وعمان أيضا بصيغة مختلفة.
التضامن مع الحقوق الفلسطينية والانخراط في النضال العربي من أجل مُستقبل هذه المنطقة من العالم، وسيطرتها على مُقدراتها، لا يُمليان بالضرورة خيار المُواجهة المُسلحة، خصوصاً إذا كان المعني بلداً صغيراً وحساس التكوين من طراز لبنان. ذلك أن الخيار المُسلح في حالة لبنان، لا يقتصر خطره على ما يُمكن أن يحصل للبلاد من قتل للأنفس من جهة إسرائيل ومن دمار للعمران، وإنما لهذا الخيار وجه تدميري آخر هو الوجه السياسي الوطني. بمعنى أن فرض هذا الخيار على جملة البلاد، بينما يوجد في لبنان أطراف كبرى غير مُقتنعة به، يُفضي، من سبل مُختلفة، إلى تفكك البلاد سياسياً وإلى وقوفها على حافة النزاع الأهلي متى توافرت ظروف أخرى لاندلاع هذا النزاع. وهذا واقع نعايشه ونعيشه، وليس هو، بطبيعة الحال، أفضل الطرق لمُواجهة إسرائيل والتغلب عليها.
بهذا المعنى فإن أحداث 7 مايو 2008 هي من نتائج حرب عام 2006، بما تركته من انقسام حاد على نتائج الحرب ووجود السلاح?
7 مايو هو من نتائج استمرار السلاح خارج سلطة الدولة. وهو حدث ترك آثاراً مرة على العلاقات بين الطائفتين السنية والشيعية خصوصاً، وهو حدث كان يجب تجنبه بأي ثمن. ولكنه وقع، مع الأسف، وبانت آثاره المدمرة وما زالت.
تتذرع الأطراف السياسية بأن لها جمهورها العريض وقد دللت على ذلك بالتظاهرات المليونية. ولكن نزول هذه الملايين لم يُغير في المعادلة السياسية، من هذا الجانب أو ذاك. فما مصير الديمقراطية في لبنان، وهل ما زالت الديمقراطية صالحة?
الديمقراطية اللبنانية كفت عن العمل. وهذا الأمر يجب الاعتراف به. ولا يغيره أن صحيفة "تشرين" السورية أشارت إلى هذا الأمر قبل أيام من موقع الشماتة. ما يجب السؤال عنه، ليس إن كان مجاراة الشماتة التشرينية سائغة... السؤال هو من الذي أتاح لصحيفة "تشرين" فرصة لنعي الديمقراطية اللبنانية? والملامة بالتالي ليست على من يقول قول ف¯ "تشرين"، بل على من صنع لها فرصة التفوه بما قالته.
الديمقراطية اللبنانية ماتت لأن القوى الطائفية باتت مُتصلة أعمق الاتصال بنزاعات إقليمية، لا يُمكن انتظار حلها حتى نواجه المُهمات الداخلية، من قبيل تشكيل الحكومة، عبر اتخاذ أي قرار تمليه ظروف البلاد وحاجاتها. لا يُمكن لأي بلد أن يستمر في العيش على هذه الوتيرة، على إيقاع نزاعات إقليمية يراقبها ليعلم إن كان عليه أن يتخذ في الداخل هذا القرار، أو ذاك، سواء كانت له صفة اقتصادية أو سياسية أو مؤسسية. وجود الدولة نفسه، يعني أن لها حرمة مصونة إلى حد كاف لاتخاذ القرارات اللازمة، وفقاً لمعطيات الداخل، ووفقاً لحسابات تجري في الداخل.
الاستقلال في الواقع ليس الخروج من العلاقات بالعالم أو بالإقليم، وليس نوعا من وضع الحبل على الغارب لدولة تفعل ما تشاء. الاستقلال هو بكل بساطة إمكان الحساب. أي أن يكون للدولة القدرة أن تُجري حسابا عند اتخاذ قرار ما، بما لهذا القرار وما عليه، وأن تتخذ ما يلزم. حين نكون موصولين بهذه الشدة بحبال الخارج، يُصبح الحساب الداخلي شبه مُتعذر، وتُصبح السياسة الداخلية تبلغا لإملاءات الخارج المُتنافرة. ويُصبح واقع الأزمة والاستعصاء مُتسلسلاً بلا حد. وهذا يجعل المُشكلات تتراكم وتتضخم عوضاً عن أن تُحل.
ننتهي في الواقع لا إلى احتمال واحد هو الذي يبعث أقصى الخوف في نفوس الناس، وهو احتمال النزاع الأهلي، وإنما ننتهي في الواقع إلى أحد احتمالين يلوحان في الأفق، وهما احتمال الانفجار الذي ذكرنا، واحتمال الانهيار. وذاك أن المشكلات لا تُعالج، بل تترك لنموها الطبيعي أو غير الطبيعي، بحيث أنها تمتحن طاقة البلاد على الاحتمال، وتُنذر بأوخم العواقب. مُشكلات كبرى من قبيل الدين العام، ومن قبيل أزمة الكهرباء المرتبطة بدورها بالدين العام، ومن قبيل التردي المُتزايد لمعاش الكثرة من الأسر وحالة الهجرة المُتفاقمة، كلها لا تُعالج. هي تنتظر الحكومة. ولكن ليس معلوما إن كان سيُمكن التصدي فعلاً لهذا النوع من المُشكلات، متى شكلت الحكومة. فيبدو، بسبب العلة الأساسية التي ذكرنها، ان الفارق بين غياب الحكومة وبين وجود حكومة في ظل الشروط التي أملت الغياب، فارق قد لا يكون كبيراً.
هل تعتقد بأرجحية وقوع حرب أهلية أم أن الأمر مُرتبط أيضا بقرار خارجي?
في الأساس هو قرار خارجي. لا شك أنه ستكون ثمة تهيئة داخلية، لأن الحرب لا تحتملها إلا البنية النزاعية الداخلية. وهذه البنية تبدو بالفعل قائمة في كثير من مقوماتها. ثمة مقومات أخرى تنشئها الحرب نفسها إذا نشبت. ولكن يجب أن يوجد أيضاً من يريد تحمل أعباء الحرب في المحيط. هذه الأعباء ليست مادية فقط كما قد يتهيأ لنا للوهلة الأولى، وإنما هي أيضاً أعباء سياسية ومعنوية. الحرب في لبنان لها أثرها المؤكد في محيطه وعلى دول عربية قريبة وبعيدة منه. ولهذه الدول حساباتها في ما يخص الأطراف الطائفية الموالية لها، والمصير الذي يمكن أن تنتهي إليه هذه الأطراف في سياق الحرب وبنتيجتها.
لذلك فإن حساب الحرب مُعقد ولا يُمكن أن تندلع حرب خارج هذا الحساب. فإذا كان تشكيل حكومة أو عدمه مضبوطاً إلى هذا الحد وممسوك المقاليد إلى حد كبير، فإن اندلاع الحرب ممسوك بشدة أكبر. وأعتقد أن احتمال اتخاذ هذا القرار في القريب، هو احتمال ضعيف. ولكن هذا لا يمنع من حصول اضطرابات كبيرة وصغيرة. وقد شهدنا نماذج منها في الأيام الماضية، وكنا قد شهدنا نماذج أكبر، في السنة الماضية أو السنوات التي سبقتها. هذا الاحتمال الضعيف أيضا لا يمنع نوعا من التكرار لحرب العام 2006، وقد يأتي بمبادرة إسرائيلية عدوانية بفعل التجاذب الدائر على الصعيد الإقليمي بشأن مُشكلة السلام، وموقف الحكومة الإسرائيلية الحالية من هذا التجاذب، وقد يأتي بمبادرة من الجهة المُقابلة، وفي الحالتين ستكون النتائج وبالاً على بلادنا، ولا يُعد عزاء أن يسقط عشرات أو مئات من القتلى الإسرائيليين، وأن يحصل قدر من الدمار المقابل في إسرائيل، هذا، في نظري، لم يعوض ما خسرته بلادنا في حرب العام 2006.
هل البلد أقرب إلى احتمال الانهيار?
هذا ما أرجحه، في مدى لا أزعم القُدرة على تخمينه، إذا استمرت المُشكلات التي سبق ذكرها من دون حل، لا شك أن هناك تطورات إيجابية ظرفية قد تؤجل الانهيار، مثلاً: كثر الحديث عن موسم الاصطياف الممتاز هذا العام، وقد وفر موارد وأحدث انتعاشاً. ولكن لا يُمكن التعويل في المدى الستراتيجي على هذا النوع من الظروف، وإنما يجب مُواجهة المُشكلات البنيوية... الخلل البنيوي الفادح الذي نتخبط فيه مُنذ سنوات كثيرة.
كيف تقرأ المشهد الإقليمي بشقيه، الخاص بالصراع العربي الإسرائيلي والثاني التمدد الإيراني في المنطقة?
الموقع الإيراني في المنطقة يُمارس أثره باتجاه مُحدد منذ ثلاثين عاماً، وهذا الاتجاه يُفضي إلى خلخلة دول عربية عدة في المنطقة. ونحن نلمس آخر تأثير له في اليمن، ونسمع عن ظواهر قلق وحالات تململ في دُول أخرى، ونحن نعرف الواقع الذي نحن عليه في لبنان.
في النطاق العربي كان من شأن دولة في حجم مصر أن تُوازن هذا الأثر مُوازنة فعلية، لو أن مصر بقي لها من الإمكانات ما يُناسب الحجم المُفترض لدورها، ولكن مصر اليوم مُتخبطة في مُشكلات كثيرة يبدو بعضها عصيا على الحل. وتبدو السعودية في موقع القيادة، ولكن يبرز أيضاً من خارج النطاق العربي الدور التركي، وليس ثمة شك بأن ما استفز هذه العودة النشيطة لتركيا إلى العالم العربي، إنما هو في الأساس استواء بلدان عربية كثيرة مجالاً للأثر الإيراني، وتمكن طهران من مصادرة قضايا وهموم عربية باسم الإسلام وفي مقدمة هذه القضايا القضية الفلسطينية.
على هذا، أستبعد حالياً أن تكون المنطقة مُقبلة على حرب... على ضربة لإيران مثلاً، تحدث حرائق في كثير من دول المنطقة. ويبدو المرجح، طالما أن إيران غير مُزمعة الاقتراب من المطالب الدولية، والغربية بالتحديد، المُتعلقة ببرنامجها النووي، أن ينتهي الأمر إلى تشديد العقوبات، وهذا أمر ليس قليل الأثر لا في إيران نفسها، رغم وجود منافذ له، صينية أو روسية أو غيرها... ولا هو قليل الأثر في بلاد عربية عدة، وقد يكون أولها لبنان إذ قد تعمد إيران في هذه الحالة إلى الرد من خلال ما تُمسك به من مقاليد في الساحة اللبنانية، ومن خلال موقع لبنان في مُواجهة إسرائيل.
أي أن يتكرر سيناريو 2006?
مُمكن، ولو على نحو مُختلف وقد يكون النطاق أوسع والدمار أشد، قد تكون الخسائر في إسرائيل أوسع هذه المرة، وقد لا تتمكن إسرائيل من تحقيق الأهداف التي تضعها لهذه الحرب، ولكن الذي لا شك فيه أن لبنان سيحصد دماراً هائلاً.
ماذا يُمثل الدخول الإيراني على الصراع العربي - الإسرائيلي? وهل يُمكن الحديث بعد عن نزاع عربي - إسرائيلي?
الصراع العربي - الإسرائيلي صودر وأصبح مُدرجاً في مُواجهة إسلامية غربية في الواقع، هي ليست مُواجهة بين عالم إسلامي وعالم غربي كما تُصور الأمور أحياناً بالمعنى الشامل للكلمة، بل هي مُواجهة بين دول وبين خيارات سياسية بالدرجة الأولى، هذا الإدراج يعني أن المُشكلة الفلسطينية أصبحت عنصراً محدوداً من مُواجهة أشمل، هي في الواقع في غاية التعقيد، لأن في كل من طرفيها خروقات وتناقضات شديدة وكثيرة، فالموقف الأميركي في هذه المواجهة، ليس الموقف الأوروبي، والموقف الروسي يختلف عن الموقف الصيني، وفي الجهة الإسلامية هناك إسلام سني تمثله دول مثل مصر والسعودية، وهناك "إسلام سني" آخر تمثله "القاعدة" وله على ما يبدو قنوات تُغذيه.
وهناك إلى جانب هذا الإسلام السني إسلام شيعي موقعه الأهم والأوسع هو إيران، والعلاقات بين هذه الأجنحة كلها ليست بسيطة، ولا يمكن قراءتها باتجاه واحد، فإنما علاقات مُتقلبة، قد لا تستبعد تحالفاً بين طرفين في المعسكر الواحد، أو مُواجهة بين طرفين آخرين في هذا المعسكر.
ألا تسعى إيران من خلال تدخلها في ملفات المنطقة، إلى تحقيق قدر من النفوذ يُؤهلها للتفاوض مع الولايات المُتحدة الأميركية، لاستعادة دور كان يؤديه الشاه الراحل?
الأرجح أن إيران تعلم أن ما قد تُعطى من دور في المنطقة ليس مُتناسباً ومطامحها، هذه المنطقة هي منطقة النفط، وهي منطقة المصالح الستراتيجية الكبرى، وهي التي لا بد من استبقاء إمكانات للمواجهة فيها، تخوضها المصالح الغربية ضد التيارات الراديكالية القائمة، أو التي يُمكن أن تقوم، بالتالي ليس واردا تخلي المعسكر الغربي عن مصالحه وعن المفاتيح التي بيده في المنطقة. هذا ما تعرفه إيران، وثمة على الأرجح في هذه المعرفة ما يُقنع إيران بأنها لن تحصل على ما تريد تماماً.
هل يُمكن قيام تحالف عربي حقيقي في مُواجهة هذا المد الإيراني?
لا أعتقد أن ذلك مُمكن، لأن الخلافات العربية والصراعات في ما بين الأقطار العربية أعمق من أن تأذن بقيام حلف من هذا الطراز.
بالعودة إلى لبنان ما الذي تغير في المُعطيات الإقليمية والدولية، وجعل النائب وليد جنبلاط مثلاً ينعطف? وهل صحيح أنه سيكون لسورية دور أكبر في لبنان?
بالتأكيد اختلفت مُعطيات اللعبة عما كانت عليه قبل ثلاث سنوات أو أربع، اختلفت بسبب الميل الأميركي إلى استئناف نوع من العمل السياسي بالوسائل المالية والاقتصادية أحياناً، عوضاً عن مُباشرة السياسة بالعمل العسكري. هاتان اللعبتان مُختلفتان جداً، واللعبة الجديدة تُطلق يد القوى الإقليمية إلى حد بعيد في صراعاتها المحدودة، وأظن أن جنبلاط أدرك هذا الأمر، وأدرك أن الضغط على سورية، لن يكون له في المرحلة المُقبلة من مُقومات الفاعلية ما يكبح النظام السوري عن إيذاء قوى سياسية لبنانية تُعاديه... خصوصاً وأن لهذا النظام أنصاراً داخليين أقوياء في لبنان، وهو يُمسك بهؤلاء الأنصار لا بتوسط قناعاتهم في المقام الأول، بل بتوسط مصالحهم أساساً.

← العودة إلى حوار