إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
حوار/

د. رياض طبارة للـ"الشراع":المنطقة بأسرها مدوّلة والسعودية تقود "لم الشمل العربي"

* أميركا تقدم الجزرة لإيران في جنيف وتُحضّر قنبلة هائلة إذا فشلت المفاوضات معها
* القمة السعودية – السورية ستنعكس إيجاباً على العلاقات بين دمشق والقاهرة
* مشاكل المنطقة أكبر من قدرة العرب على إيجاد حلول لها وحدهم
* سوريا قدمت لأميركا والغرب ولكنها لم تأخذ بعد ولبنان لن يُعطى لها مجدداً
* العرب يريدون من سوريا أن تؤدي دوراً توفيقياً مع إيران وان تخفف من حجم ارتباطها بها
* اتفاق ضمني أميركي – سوري – إيراني في العراق وأوباما تراجع في المواجهة مع إسرائيل

يرى سفير لبنان السابق لدى الولايات المتحدة الأميركية د. رياض طبارة ان منطقة الشرق الأوسط بأسرها أصبحت مدولة وان من الوهم القول ان العرب قادرون وحدهم على إيجاد الحلول للمشاكل والقضايا المطروحة، وان حجم هذه المشاكل وما يشكله التعنت الإسرائيلي وتمدد النفوذ الإيراني الذي أصبح أكبر بكثير مما هو مقبول باتا يستدعيان تحركاً عربياً لوحدة الصف ولمواجهة الأخطار والتحديات، وهذا ما تقوم به المملكة العربية السعودية التي تقود عملية لم الشمل العربي.
((الشراع)) التقت د. طبارة وأجرت معه الحوار التالي حول قضايا المنطقة ونتائج القمة السعودية – السورية التي عقدت في دمشق.
# في أي اتجاه تسير المنطقة بعد تعثر المسعى الأميركي على صعيد التسوية مع إسرائيل، وبعد التحركات العربية الأخيرة لاستعادة شيء من التضامن؟
- هناك أكثر من عملية أو تسوية تجري في المنطقة، منها الاتصالات الأميركية والأوروبية مع إيران، والدور السوري والدور التركي ومنها الوضع في العراق وفي أفغانستان، ولكن أهم ما في هذه العمليات هو عملية السلام العربي – الإسرائيلي، إلا انها ليست الوحيدة، فيما يتعلق بالملف الإيراني نلاحظ حصول تقدم، ونرى ان الأميركيين ومثلهم الأوروبيون متفائلون ولكن بحذر تجاه الوصول إلى نتيجة إيجابية مع إيران والأميركي في المسألة الإيرانية لا يفاوض فقط الإيراني في جنيف بل يحضر العصا من جهة أخرى، ففي محادثات جنيف هو كمن يقدم الجزرة الكبيرة لإيران حتى إذا تجاوبت في الموضوع أعطاها الانفتاح الاقتصادي وأعطاها دوراً في المنطقة ورفع العقوبات عنها، ولكن إذا لم تتجاوب فإن الأميركيين يحضرون بالتزامن مع ذلك للمزيد من الضغوط والعقوبات من خلال المفاوضات مع الروس والأوروبيين، كما يحضرون لعمل عسكري محتمل من خلال تسريع العمل لصنع قنبلة جديدة هائلة قادرة على اختراق التحصينات التي أقامها الإيرانيون لمنشآتهم النووية، وهي تحمل أكثر من 50 طناً من المتفجرات، فإذن الأميركيون والأوروبيون أو ما يسمى المجتمع الدولي ليس لديهم ثقة كبيرة بأن المفاوضات مع إيران ستنجح، ولذلك لا نستطيع التنبؤ بمآل الأمور في هذا الملف وما إذا كانت الاتصالات واللقاءات ستصل به إلى نهاية سلمية أم لا والمسألة تحتاج إلى وقت لمعرفة اتجاه الأمور فيها.
أما في الملف العراقي، فقد اتضح مؤخراً، وهذا ما أعلنه قائد القوات الأميركية، ان النفوذ أو التأثير السوري – الإيراني قد أصبح في طور التلاشي، ويظهر ان هناك نوعاً من الاتفاق الضمني بين السوري والإيراني والأميركي، لأنه من غير المعقول حصول ذلك من دون أي اتفاق، وهذا يعكس تفاهماً ضمنياً ما سواء كان مباشراً أم غير مباشر فيما خص الوضع العراقي، ولكن هل سيستمر هذا التفاهم؟ لا أحد يعلم خاصة اننا شاهدنا أكثر من مرة ان الوضع كلما تقدم خطوة إلى الأمام يعود ويتراجع خطوة أو خطوتين إلى الوراء، وفي الموضوع الأفغاني نرى ان هناك ضغطاً على أوباما ليزيد عدد الجنود ستين ألفاً، في حين يوجد نوع من الانفتاح على طالبان، على قاعدة جديدة تقول ((طالبان وليس القاعدة))، وهذا يعتبر خطوة إيجابية ولكن في الوقت نفسه فإن العمل لزيادة عديد الجنود هي مؤشر على الحرب وليس الحل ما يعني ان الوضع في أفغانستان أيضاً غير واضح في المستقبل، وان الغرب عندما لا يثق أيضاً فإن الأمور ستتجه نحو العمل على الرغم من حصول تقدم.
أما في المسألة المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي وخاصة المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، فإننا نجد ان هناك محاولات جادة لتوحيد الصف الفلسطيني ليكون الموقف موحداً، غير ان العقدة الأساسية في هذا الملف تكمن في وجود أشخاص في سدة الحكم الإسرائيلي كرئيس مجلس الوزراء نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان، وفي هذا الملف نجد ان هناك تراجعاً قد حصل ولا يوجد تقدم على ما كان يؤمل بعد انتخاب أوباما رئيساً في أميركا، وأيضاً لا أحد يعرف إلى أين ستصل المواجهة القائمة حالياً بين أوباما وإسرائيل حول معالجة هذا الملف، ففي المرحلة الأولى كان أوباما يقول لا أريد الاستيطان بأي شكل، والآن فإن ما يقوله الأميركيون هو ان الاستيطان بحدود ما لا يمنع ان تبدأ المفاوضات وهذا تراجع أميركي كبير في تلك المعركة التي ما زالت قائمة ومن المهم ان ننتظر لنرى إلى أين وكيف ستنتهي بعد أن بلغت حداً كبيراً من الحدة.
# وكيف نقرأ انعقاد القمة السعودية – السورية في هذا السياق؟
- يوجد محاولة عربية تقودها السعودية وبالتحديد الملك عبدالله لجمع شمل العرب، ويبدو ان هناك قناعة لدى كثير من الدول العربية بأن الأخطار المحدقة في المنطقة أصبحت لا تحتمل ولا تُواجَه إلا بتعاضد وتعاون عربي، فمثلاً تشعر صراحة دول عربية وفي مقدمتها مصر والسعودية بأن النفوذ الإيراني في المنطقة أصبح أكبر بكثير مما هو مقبول، فهذا النفوذ موجود في سوريا، وموجود من خلال حزب الله في لبنان، ومن خلال حماس في الوضع الفلسطيني، وحتى هناك من يتحدث عن نفوذ لإيران في اليمن من خلال الحوثيين، ولذلك يعتبر هؤلاء العرب ان جمع شمل العرب مهم جداً في هذه المرحلة، أضف إلى ذلك ان التعنت الإسرائيلي أصبح أيضاً لا يُطاق، وهم يرون ان أوباما إذا فشل في المواجهة مع إسرائيل، فهذا يعني ان المنطقة ستعود إلى نقطة الصفر، وهذا ما يستدعي بإلحاح أيضاً جمع شمل العرب لمواجهة التحديات المنتظرة، وهذا التوجه بدأه الملك عبدالله في قمة الكويت أولاً ومن ثم تتابعت الجهود وصولاً إلى زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى السعودية بمناسبة افتتاح الجامعة ومن ثم حصل انعقاد القمة في دمشق، ولا شك ان عملية استعادة التضامن العربي تتطلب جهوداً حثيثة ومتواصلة لإزالة ما تراكم من خلافات وبعضها خلافات عميقة وحساسة.
# العلاقة السورية – الإيرانية هي من ضمن تلك الخلافات؟ فماذا يمكن أن يكون قد طلب الملك السعودي من الرئيس السوري في هذا الإطار؟
- أعتقد ان ما يطلبه العرب من سوريا فيما يخص إيران، هو القيام بأمرين، ان تؤدي سوريا دور تأمين الممر إلى إيران، وفي الوقت نفسه يريدون تخفيف الارتباط السوري بالإيراني، أي يريدون أن تخفف سوريا علاقتها بإيران من جهة ومن جهة أخرى أن تؤدي دوراً توفيقياً مع إيران، وهذه مسألة حساسة جداً وتدخل في صلب التوافق العربي وهي تحتاج إلى وقت لوضعها في صورتها النهائية.
# وإلى أي حد يمكن أن تساهم هذه القمة في التقارب السوري – المصري؟
ليس هناك خلاف مصري – سعودي، ولذا إذا تقاربت السعودية مع دمشق فإن هذا التقارب ينعكس إيجاباً على العلاقة المصرية – السورية، لأن السعودية لن تقوم بخطوة تقارب مع سوريا على حساب مصر، لأن هناك تحالفاً قوياً بينهما وتطلعات مشتركة كبيرة، ولا يمكن أن تقوم السعودية بخطوة من شأنها أن تخرّب تلك العلاقة ولذلك فإني أرى ان التقارب السعودي – السوري سينعكس إيجاباً على التقارب السوري – المصري.
# هل بتقديرك سيعيد هذا السياق الإيجابي في تحسن العلاقات العربية – العربية الروح والفاعلية إلى النظام العربي الرسمي الذي كانت نواته دائماً المثلث ((المصري – السعودي – السوري)؟
- الحقيقة ان الكلام عن قضايا الشرق الأوسط، بعد التطورات والتجارب السابقة، لا احد يمكنه في الوقت الحاضر ان يعرف الى أين تتجه، فهي تتغير بشكل يصعب معه ان يحيط بكل جوانبه، لأنه في الواقع العربي، ليس العرب وحدهم اللاعبين، فالشرق الاوسط فيه لاعبون من كل انحاء العالم من اميركا واوروبا وروسيا وحتى الصين لها دور، ما يجعل من الصعب الرؤية بوضوح لمسار الامور، لأن كل تلك الدول لها مصالح في المنطقة، وهي نفسها لا تعرف ما الخطوة التالية لخطوتها الحالية، وعلى سبيل المثال فإن اميركا لا تعرف ما اذا ما كانت ستصل الى حل سلمي مع ايران او الى حل حربي وعسكري، او حل من خلال زيادة العقوبات، وبالتأكيد أصبح من الواضع ان المشاكل في الشرق الاوسط بحجمها الكبير اصبحت اكبر من ان يتمكن العرب وحدهم من حلها بقواهم الذاتية، ولذلك فإن المطلوب من العرب ليس ان يحلوا تلك المشاكل وحدهم، ولكن ان يؤدوا دوراً اكبر مما يؤدونه في ايجاد الحلول لمشاكل المنطقة، فالدول العربية مثلاً لا تستطيع وحدها ايجاد حل لمسألة السلام مع اسرائيل من دون الولايات المتحدة ولكن بامكانها تنشيط وتفعيل دورها في اتجاه اميركا وغيرها للضغط من أجل احلال تسوية سلمية تفرض على اسرائيل التوقف عن تعنتها، لأن اميركا الدولة الوحيدة القادرة على اعطاء الضمانات والتطمينات في أي حل، اضافة الى كل ذلك فإن منطقة الشرق الاوسط كلها هي في الحقيقة مدوّلة، ولنر قرارات مجلس الامن فمعظمها يتعلق بالمنطقة والعالم العربي، لأن المجتمع الدولي كله له مصالح هنا وخاصة في استمرار تدفق النفط ولذلك سلمت اوروبا ملف المنطقة لأميركا لأنها الوحيدة القادرة على حمايته وحماية وصوله الى اوروبا، ومن هنا ارى انه ضرب من الخيال الاعتقاد بأننا كعرب نستطيع ايجاد الحلول وحدنا.
# الى أي حد صحيح القول ان الحلحلة في لبنان وتشكيل حكومة دليل على نجاح القمة السورية السعودية، واستمرار التعثر في الملف اللبناني دليل على عدم نجاحها وعلى تعثر محاولات لم الشمل العربي؟
- هل المشكلة في لبنان تتوقف فقط على التقارب السوري السعودي. هنا ايضاً اقول يوجد اكثر من طرف مؤثر في المعادلة اللبنانية التي اصبحت بدورها تتجاوز الواقع العربي، فمثلاً هناك اميركا وهناك ايران ولكل منهما دور وتأثير، فحتى في الموضوع اللبناني تدخل اعتبارات من خارج لبنان ومن خارج المنطقة العربية، ولذلك من الواقعية القول ان تعدد اللاعبين على الساحة اللبنانية له تأثيره ايضاً على مسار الامور حتى ولو حصلت اتفاقات عربية - عربية.
# عدا عن الانفتاح العربي على سوريا، هناك انفتاح اوروبي وأميركي وخاصة فرنسي، في حين ان لسوريا علاقات قوية مع ايران، فإلى أي دور تطمح سوريا في المنطقة او أي دور يريده لها الغرب بانفتاحه عليها؟
- هدف الانفتاح الغربي على سوريا تغيير بعض المواقف التي يعتبرها مضرة بمصالحه منها الموقف السوري من العراق، وقد حصل جهد كبير في هذا الاطار وقد بدأ يثمر، ومنها الموقف من لبنان، اذ كان هناك شروط اوروبية وغير اوروبية على سوريا، لقاء الانفتاح عليها منها تسهيل انتخاب رئيس الجمهورية وفتح سفارة واقامة علاقات دبلوماسية وعدم التدخل في الانتخابات النيابية، وهذه اشياء تحققت لكن اوروبا وأميركا ما زال لديهما مطالب اخرى من سوريا، فأميركا مثلاً تريد منها طرد المنظمات الفلسطينية التي تعتبرها هي ((ارهابية)) وما اراه ان سوريا قد اعطت غير انها لم تأخذ كثيراً بعد ولذلك فإنها اليوم في موقف يقول انا اعطيت فماذا ستقدمون؟ هي تريد من اوروبا الشراكة الاوروبية وهي لم تأخذها بعد، وتريد من اميركا تطبيع العلاقات ولكن حتى الآن ليس هناك سفير لأميركا في سوريا التي تريد خطوات عملية وفعلية من اوروبا وأميركا غير تبادل الزيارات القائمة بين حين وآخر.
# وهل تريد ان تأخذ شيئاً منهما يخص لبنان؟
- في الحقيقة هناك على الطاولة اشياء كثيرة، فسوريا لها مطالب من اميركا وأوروبا والعكس صحيح، وما ستعطي هو ما سيحدد في النهاية أي دور سيكون لها في المنطقة ومن ضمنها لبنان، فسوريا تريد دوراً في الشرق الاوسط، ودوراً في حل القضايا القائمة وتريد ان يكون لها كلمة فيما يُطرح وطبعاً هناك اوراق لدى الجميع وكل طرف سيلعب في النهاية أوراقه، فسوريا ستلعب اوراقها بما فيها لبنان والآخرون سيقومون بالامر نفسه وصولاً الى الحل النهائي ولكني لا اعتقد ان الحل النهائي اذا حصل مع سوريا سيكون لبنان جزءاً منه، ففي هذا الحل ستعطى سوريا دوراً في المنطقة وستعطى شراكة اوروبية وانفتاحاً اميركياً سياسياً واقتصادياً، لكن الدول الغربية وأميركا لن تعطيها لبنان من جديد، ولا اعتقد ان سوريا ستطالب بذلك.
 

حوار احمد الموسوي

← العودة إلى حوار