عبدو ضيوف لـ"النهار": أنصح للبنانيين بالتيقظ وبذل الجهود ليبقى تنوعهم مصدر تألق ولا يقودهم الى الانقسام
فيما يشعر لبنانيون كثر بالاحباط نتيجة الازمة الحكومية المستمرة، وبالقرف بسبب تطورات تقنعهم رغما عنهم بأن مصيرهم ليس بين ايديهم بل رهن بقرارات تتخذ خارج اراضيهم، قد تساهم مواقف الامين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية عبده ضيوف في رفع معنوياتهم، عبر تذكيرهم بواقع تُنسيهم اياه تصريحات قادتهم اليومية وخلافاتهم، وهو ان "لبنان هو الديموقراطية الحقيقية الوحيدة في المنطقة، ومثال حي لما تمثله الفرنكوفونية لكونه بلد التنوع والتعدد، الذي يمارس الحوار بين الثقافات والاديان واللغات".
والرئيس السنغالي السابق، الذي يغادر بيروت اليوم بعد زيارة استمرت اياما وحضر خلالها افتتاح الدورة السادسة للالعاب الفرنكوفونية مساء الاحد الماضي، لا يخفي اعجابه بهذا الحفل "الاستثنائي والرائع الذي تخطى كل توقعاتي وكل ما شاهدته حتى الآن". واذ يشدد على ان "لبنان كسب رهان استضافة هذه الالعاب"، يوضح ان من واجبات هذا البلد الآن "ان يبقى وفياً لهذه الصورة التي يعكسها في العالم".
وضيوف، المسلم المتزوج من سيدة كاثوليكية والدها لبناني، يدرك ان "كل هوية يجب ان تكون منفتحة وايجابية وتقبل الحوار مع الهويات الاخرى"، ناصحا للبنانيين بالتيقظ الدائم وبذل كل الجهود "ليبقى هذا التنوع مصدرا للغنى وللتألق المشترك، ولا يتحول تنوعا يقود الى الانقسام".
ولا يغيب الحديث مع هذا الرجل البليغ و"المتشرب" بكل قيم الفرنكوفونية، عن المنظمة التي يترأسها منذ عام 2002، فيشرح نضالها من اجل التنوع الثقافي، مسلطا الضوء على دورها في العولمة، ونافيا اي نزاع مع الانغلوفونية.
وفي ما يأتي نص الحديث:
• لماذا اخترتم لبنان لاقامة الدورة السادسة للالعاب الفرنكوفونية؟
- لبنان عضو مؤسس في المنظمة الدولية للفرنكوفونية، واختارته الدول الأعضاء عام 2003 لتنظيم هذه الالعاب. فهو مثال حي لما تمثله الفرنكوفونية: بلد التنوع والتعدد والديموقراطية، يمارس الحوار بين الثقافات والاديان واللغات. انه بلد نموذجي على هذا المستوى، وكان طبيعيا جدا اختياره لتنظيم هذه الالعاب، خصوصا انها مناسبة احتفالية تتضمن العابا موجهة الى الشباب، ولبنان بلد شاب.
• حضرتَ افتتاح الالعاب. ما كان انطباعك؟
-اكاد لا استطيع ان أصف انطباعي بعد حضور هذا الاحتفال. كان فعلا استثنائيا، رائعا، تخطى كل توقعاتي. فقد حضرت حفلات افتتاح اقيمت لمناسبات مهمة، لكنني اعترف بأن ما رأيته في لبنان مساء الاحد يتخطى كل ما شاهدته حتى الآن. كان الاحتفال منظما بذكاء، وكان عملا متناسقا وملونا وغنيا، وكنت حقا سعيدا جدا لأن لبنان كسب رهان هذا الافتتاح.
وقلت في كلمتي في الافتتاح ان لبنان فاز، قبل ان يشارك حتى في الالعاب، لأنه كسب رهان استضافة هذه الالعاب، خصوصا انه كان هناك مشككون كثر، كانوا يقولون ان لبنان يعاني مشكلات سياسية، وهل يجب فعلا اقامة الالعاب هناك؟ وهل يجب تأجيلها او نقلها الى بلد آخر؟ واجبتهم: لا، لبنان الذي اعرفه في استطاعته تنظيم الالعاب، وبنجاح.
وبعد عودتي من بيروت في آذار الماضي، لمناسبة اليوم العالمي للفرنكوفونية، طمأنت الجميع، وقلت لهم: ستسير الانتخابات النيابية على ما يرام، وسيتمكن لبنان من تنظيم دورة العاب ناجحة.
نصيحة للبنان
• اي رسالة الى لبنان يحمل تنظيم هذه الالعاب على ارضه؟
- أحد المسؤولين اللبنانيين ذكّر اخيرا بقول البابا يوحنا بولس الثاني بأن لبنان يشكل رسالة الى العالم. وهذا ما تمثلونه على مستوى التسامح والتنوع ودولة القانون والثقافة الديموقراطية، في منطقة تكاد تغيب فيها هذه القيم. فلبنان بذاته رسالة، وكذلك الجاليات اللبنانيات في الخارج. واعتقد ان تنظيم الالعاب في لبنان يفيده، ربما على مستوى السياحة والاقتصاد والثقافة. ولكنه ايضا يظهر للبنان كم يحبه العالم ويحترمه وكم هو معجب بهذا البلد، وهذا يرتّب عليه واجبات، وخصوصا ان يبقى وفياً لهذه الصورة التي يعكسها في العالم. وبالنسبة الينا، فإن مشاهدة اللبنانيين يتّحدون على رغم انقساماتهم لتنظيم هذا التجمع تعطينا درسا.
• لبنان معقل للتنوع الثقافي، وهذا مصدر غناه. لكن احيانا يستغل اطراف خارجيون هذا التنوع، فيحولونه مصدرا للانقسام. كيف يمكن لبنان تجنب ان يتحوّل التنوع الثقافي مصدرا للانقسام؟
- كانت منظمة الفرنكوفونية رأس حربة في النضال من اجل اقرار الاونيسكو معاهدة الحفاظ على التنوع الثقافي، وقد اقرت عام 2005، ووقعتها حتى الأن مئة دولة تقريبا من اعضاء الاونيسكو، وقد اصررنا دائما، كما يقول مواطنكم الكاتب الكبير امين معلوف، على وجوب الحذر من الهويات القاتلة، اي الهويات التي تسجُن. كل هوية يجب ان تكون منفتحة، ايجابية، تقبل الحوار مع الهويات الاخرى من اجل ان تغني كل هوية الهويات الاخرى.
وهذا جهد يجب ان يقوم به اللبنانيون، ليبقى هذا التنوع مصدرا للغنى، وللتألق المشترك، ولا يتحول تنوعا يقود الى الانقسام. هذا جهد يجب ان يقوم به السياسيون والمواطنون، ويجب التيقظ دائما لذلك. وهذه نصيحتي لاصدقائي اللبنانيين.
حماية للبنان
• الفرنكوفونية هي تشارُك اللغة الفرنسية، لكنها ايضا تشارُك قيم مهمة، منها الديموقراطية، وحقوق الانسان، والتضامن والمساواة. هل تعتبر، للبعض، ان هذه القيم مهددة احيانا في لبنان، بسبب الخلافات السياسية والطائفية؟ وهل يشكل الانتماء الى الفرنكوفونية حماية للبنان، وضمانا لاستمرار هذه القيم في هذا البلد؟
-اعتقد ان الفرنكوفونية تحميكم، على هذا المستوى. لأنكم ما دمتم تحترمون قيم الفرنكوفونية، وهذا ما تفعلونه، فإن خطر الانزلاق سيتقلص، ولبنان سيعزز يوما بعد يوم دولة القانون، التي تنعم بحياة سياسية هادئة وثقافة ديموقراطية راسخة. واعتقد ان الفرنكوفونية تشكل ميزة تفاضلية بالنسبة الى لبنان.
• هل في امكان المنظمة الدولية للفرنكوفونية الاضطلاع بدور في حل النزاعات؟ او بدور الوسيط في منطقة الشرق الاوسط مثلا؟
- نستطيع ذلك مع آخرين، وليس وحدنا. فنستطيع التحدث الى اللبنانيين، لكن لا نستطيع التحدث الى دول في المنطقة ليست اعضاء في المنظمة، مثل اسرائيل وفلسطين وسوريا. ونتكلم مع منظمات اخرى، مثل جامعة الدول العربية والامم المتحدة التي نتعاون معها كثيرا، و"الرباعية الدولية". ونتحدث في المنتديات العالمية مع اصدقاء كثر، ونستطيع ان ننقل رسائل. ونستطيع ايضا تأدية دور من خلال الدول الاعضاء في الفرنكوفونية، مثل فرنسا وكندا، وهما اهم دولتين في المنظمة على المستوى الاقتصادي.
وخلال الانتخابات النيابية في لبنان في حزيران الماضي، ارسلت بعثة مراقبة قامت بعمل جيد واعدت لي تقريرا يتضمن اقتراحات لتحسين الديموقراطية اللبنانية. علما ان لبنان هو اساساً دولة ديموقراطية، وهو الديموقراطية الحقيقية الوحيدة في المنطقة.
الانغلوفونية والعولمة
• هل من نزاع بين الفرنكوفونية والانغلوفونية اليوم؟
- ليس هناك اي نزاع، فنحن شركاء ويكمل بعضنا البعض. اذا عدنا في التاريخ، نلاحظ ان 70 في المئة من الكلمات الانكليزية هي من اصل فرنسي. في القرنين ال16 وال17، كل القصور الملكية كانت تتكلم الفرنسية. وشعار المملكة المتحدة البريطانية لا يزال: "الله هو حقي" Dieu est mon droit بالفرنسية، كما ان شعار "وسام ربطة الساق" وهو وسام انكليزي رفيع لا يزال "العار لمن يرى في الامر سوءاً" honni soit qui mal y pense بالفرنسية. كما ان الانكليزي عندما يدعو شخصا الى الطعام يقول له بالفرنسية "هنيئاً" bon appetit . وفي كل العالم اشخاص كثر يستخدمون عبارة "ان شاء الله"، وهي من اللغة العربية. فالحياة مليئة بالاستعارات بين اللغات، ولا وجود لحرب بين اللغات.
كل ما نقوم به في إطار النضال من اجل التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات يهدف الى تجنب صدام الحضارات. واذا كان من صدام، فمن المؤكد انه لن يكون بين الفرنكوفونية والانغلوفونية. وثمة خوف من ان يحدث بين الاسلاميين المتطرفين وبقية العالم. ولا اريد ان اسمع بصدام بين الانغلوفونية والفرنكوفونية.
والمنظمة الدولية للفرنكوفونية تجهد من اجل نشر اللغة الفرنسية، لكن ايضا من اجل الحفاظ على كل اللغات، وفي سبيل التنوع الثقافي واللغوي. فمساء امس (الاثنين) حضرت عند رئيس الوزراء فؤاد السنيورة احتفالا موسيقيا. وكان هناك جوقة رائعة، أنشدت بداية اغنية عن القدس. وكانت بمثابة سمفونية لكل ديانات مدينة القدس المقدسة، وكانت الصلوات تتصاعد في اتجاه إله واحد. هذا الامر اعجبني كثيرا، كما اعجبتني اغنية اُنشدت للمطالبة بأن تبقى العربية لغة سليمة. وهذا مهم لأن كل اللغات جزء من تراث الانسانية ويجب الحفاظ عليها.
• هل تشكل العولمة خطرا بالنسبة الى الفرنكوفونية؟
- الفرنكوفونية هي في صلب التحرك من اجل عولمة اكثر انسانية وعدلا، عولمة اكثر ديموقراطية واكثر شمولا للبعد الثقافي.
ولا تنسوا انه عندما بدأت الازمة الاقتصادية العالمية، كانت الفرنكوفونية اول منظمة تعقد منتدى بين دول الشمال والجنوب حول هذا الموضوع في كيبيك في تشرين الاول. وكانت اول منتدى يرفض عولمة المضاربة وعولمة الارباح التي تستبعد ما هو انساني وتهتم فقط بالجوانب المادية للامور. اذاً عندنا دور نضطلع به في العولمة.
رلى بيضون