إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
أخبار التجدد/

كلمة النائب نسيب لحود في افتتاح المؤتمر التأسيسي لـ ' حركة التجدد الديموقراطي'

ما يجمعنا مع بعضنا البعض في اعتقادي هو قلقنا العميق على مصير وطننا أي الوطن الذي نريد ان نتركه لاولادنا. وهذا يذكرني بصرخة جبران عندما قال: 'هل بينهم من يتجرأ ان يقول: إذا مت تركت وطني افضل قليلاً مما وجدته عندما ولدت؟'
نحن اليوم في الخطوى الاولى لرهان طويل لا نريد منه شيئاً لأنفسنا ولكننا نحلم بأن يُكسب الكثير الكثير لكل شباب لبنان. وجودنا هنا فعل سيادة: السيادة بالطبع هي ان تكون حراً في ارضك وسيداً فيها ولكن السيادة هي ايضاً ان تكون حراً بفكرك وسيداً فيه.
لم نأت هنا كممثلين عن طوائفنا ولا عن مصالحنا، أتينا هنا كأفراد أحرار مقتنعين بتواضع أن هذا الوطن في حاجة ماسة الى أداة جماعية لتطوير وحدته الداخلية. جئنا لنوحد لا لنفرَق، جئنا لنوسع لا لنضيق، جئنا لنقول ان وحدة البلد اولوية الاولويات، جئنا لنقول أن وحدتنا أهم منا، اهم من كل مواقعنا وحساسياتنا، جئنا لنقول ان لبنان، وطننا اليوم ووطن اولادنا اليوم وغداً، يستحق ان نغامر من اجله.

ارى هنا مجموعة منوعة كالبلد، أناس أثبتوا كفاءة في مجالهم الخاص وتفاني في عملهم العام. إنها مجموعة تصبو الا تكون نخبوية لأنها تطمح في الوصول الى كل بيت وكل بلدة وكل قطاع، وأن تكون قريبة من هموم كل اخوتنا المواطنين، الضعفاء قبل الاقوياء، وأن تشاركهم في طموحاتهم. إنها مجموعة ميزتها انها اقدمت وتحملت مسؤولية المبادرة، ولكنها في اقدامها لم تنس ولو للحظة ان في لبنان  الكثير الكثير من الاصلاحيين الذين ينظرون باهتمام الى هذه التجربة وينتظرونها، ونحن علينا منذ اليوم ان نباشر في تحضير 'حركة التجدد الديموقراطي' لتكون اطاراًً مفتوحاً قادراً على استقبالهم عندما يشاؤون. كذلك ستلتقي هذه الحركة في الحياة السياسية مع قوى اخرى على الساحة اللبنانية الغنية بتلويناتها. سنتعامل دائماً مع الجميع باحترام شديد ونتعاون على المشترك ونتقاطع كذلك وفق ما تقتضيه مصلحة البلد.

خلال هذه الفترة التحضيرية القصيرة، سمعت اسئلة مشروعة عما نقوم به، سأحاول ان الخصَها بإشكاليتين:
الاولى تقول: ما تحاولون القيام به صعب وقد تتعثرون. ونحن نقول في هذا الصدد: قد نتعثر، هذا صحيح، وكيف لا، ولبنان وطن ومجتمع ما زال في طور البناء. المهمة صعبة وجديدة، هذا صحيح ايضاً، ولكن لبنان يستحق ان نغامر من اجله ويستحق حتى ان نخسر شيئاً من اجله. ولكننا لن نفشل لاننا انتفضنا ضد اللامبالاة ولاننا رفضنا الوطن الموجود بالصدفة وحسمنا خيارنا لصالح الوطن الموجود بفعل ارادة ابنائه وطاقاتهم الخلاقة. ان الوحدة اللبنانية التي سنعمل معاً على توسيعها هي عقد قائم بين افراد احرار، هي أداة قادرة ان تكون عنصر استقرار لهذا الوطن وعنصر تماسك لهذا الشعب دون ان يكون ذلك على حساب تنوعنا وغناه. هذه قصة لبنان: غِناه في حريته وتنوعه، ومصيره يتوقف على وحدة ابنائه. وبهذا المعنى، 'حركة التجدد الديموقراطي' تطمح ان تشبه تدريجياً هذا الوطن العزيز: غناها في تنوعها، وقدرتها للتدخل الفاعل تتوقف على وحدتها.

وسمعنا اشكالية اخرى ايضاً تطال طبيعة شعبنا إذ قيل: ما تنوون القيام به مستحيل لان مجتمعنا مقسم الى طوائف. ونحن نقول بصراحة، ولا اتكلم هنا عاى المعتقدات الالهية التي نجَل ونحترم: في غياب المؤسسات الحديثة ومنها الدولة الحاضنة لكل المواطنين، شعبنا يلجأ الى الطوائف لانها ملاذات تفرضها الايام القلقة. ماذا اعني بالايام القلقة؟ أيام تتلاشى فيها فرص العمل ومعها فرص الامل، أيام يتهدد فيها المصير ويزداد معها التهويل، واين تريدون ان تذهب الناس في غياب الدولة الحاضنة والحركات الحديثة؟
لذلك نحن في 'حركة التجدد الديموقراطي' لا نستسلم لهذا الواقع، لا بل نعتمد العكس. نحن نعتقد انه عندما يُزرع التطرف، يُحصد التطرف، وعندما يُزرع الاعتدال، يُحصد الاعتدال، وفي ما يخصنا لن نزرع الا الاعتدال. لا بل نعتقد اكثر من ذلك، نعتقد انه يوجد داخل المجتمع اللبناني اكثرية مع الاصلاح واللاطائفية ونعتقد ايضاً انه يوجد داخل كل مواطن لبناني اكثرية مع الاصلاح واللاطائفية. وهنا تكمن مسؤولية 'حركة التجدد الديموقراطي' في ايقاظ هاتين الاكثريتين الهامدتين، الاكثرية الموجودة داخل المجتمع والاكثرية الموجودة داخل كل مواطن.

قلت بداية كم ان القلق جَمَعنا. أريد أن أقول الآن كم أن الأمل هو الذي يجمعنا. شعب لبنان في حاجة الى احلام واقعية بمستوى طموحات شبابنا. من حق الشعب ومن حق الشباب بشكل خاص ان يحلم بالافضل والا يقتنع الا بما يرضي قناعاته وضميره، ولكن من واجبه ايضاً ان يوظف جهده وقوته التغييرية لترجمة هذا الافضل الى الواقع.
سنناقش بعد الاستراحة العقد الجديد الذي يربط بيننا والذي نطمح بطرحه على اخواتنا واخواننا اللبنانيين. اسمحوا لي ان اقترح عليكم هدفين بعيدي المنال اقترب منهما لبنان في لحظة من تاريخه وهما هدف النمو وهدف الديموقراطية، وعلينا اليوم اذا اردنا ان نحققهما بعد الاستفادة من تجربة الحرب ان نحصّنهما بالعدالة وبالمواطنية.
الحلم الاول هو ان يكون لبنان - بأي مقياس كان وخصوصاً بقناعة ابنائه - المجتمع الاكثر عدالة في الشرق الاوسط. انه حلم واقعي اذا التقت قوى النمو بطاقات التنمية.
الحلم الثاني هو ان يكون لبنان - بشهادة العالم وبشهادة ابنائه - افضل نموذج ديموقراطي في الشرق الاوسط. انه ايضاً حلم واقعي اذا تفاعلت الحريات مع المواطنية.

ختاماً، احذركم واطمئنكم في آن: الاحلام الواقعية ليست مهام سهلة ولكنها ليست مستحيلة. ليست 'تحصيل حاصل' كما يقال. إنها منارات يجب ان توجهنا نحو اهداف نبيلة تتطلب جهداً دؤوباً ونفساً طويلاً. قد نفشل يوماً، قد نتراجع يوماً آخر. هذه سنّة الديموقراطية. المطلوب عندئذٍ ان نقيّم اداءنا ونحسّنه بدلاً من ان نلقي المسؤولية على الآخرين، هذه وسيلتنا الوحيدة لنكسب هذا الرهان، ولكي نكسب وطناً قادراً على ولوج المستقبل.

 

← العودة إلى أخبار التجدد