ندوة "اشكاليات اللجوء السوري الى لبنان" حداد يطرح 6 معايير للتعامل مع الازمة
أشكر "شؤون جنوبية" و"تجمع لبنان المدني" على تنظيم هذا اللقاء، كفسحة خارج القيد الطائفي او المذهبي لتناول مسائل واشكاليات تشكل تحدياً لمعيار المواطنة اللبنانية الجامعة التي اعتقد انها ما زالت الخيار الاول لعدد لا يستهان به من اللبنانيين. وارحب بكم جميعاً في الجلسة الأولى من يوم العمل هذا وهي تحت عنوان "الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للجؤ السوري".
عندما نتحدث عن الحرب او الازمة او النزاع في سوريا، انا شخصياً بت أميل الى استخدام صيغة او تعبير "القضية السورية" لما اصبح لهذه المسألة من ابعاد شاملة: سياسية، عسكرية، امنية، استراتيجية، دولية، اقليمية، اقتصادية، اجتماعية، انسانية، قانونية وحقوقية، وذلك بما غطّى خلال اربع سنوات فقط على "القضية الفلسطينية"، التي كانت تشكل لما يزيد عن نصف قرن، القضية المركزية في الوجدان والسياسة العربيتين. ليست ارقام اللاجئين او الضحايا او الجرحى او الجوعى او المرضى من اخوتنا السوريين وحدها التي تتكلم، بل الارتدادات الزلزالية على كل دولة من دول المنطقة التي اعتقد ان تاريخها الحاضر سيكتب بعبارتي: "ما قبل الحرب السورية" و"ما بعد الحرب السورية".
أما نحن في لبنان، فيجب أن نعتبر انفسنا محظوظين أن هذه القضية لم تفجّر بعد (اقله حتى الان) هذا البلد الصغير الذي يعوم على كتلة من التناقضات التاريخية المتفاقمة والمتشابكة. محظوظين ام حكماء؟ أم هو توازن الرعب؟ أم هي الحاجة المتشركة الى الحفاظ على الهدوء النسبي على هذه الرقعة الجغرافية المسماة لبنان، كمحطة استراحة للمقاتلين اللبنانيين المنخرطين في الحرب السورية، وكفسحة تنفس او خيار مبدئي لكل من يعارض هذا الانخراط؟ وكم تستمر معادلة التوازن او ربط النزاع تلك؟ وهل بوادر التبدل في النزاع داخل سوريا التي لاحت في الاسابيع الاخيرة، هل تغيّر في حسابات ادارة "الهدوء النسبي" في لبنان؟ وهل ملامح ارتفاع النبرة في الخطاب السياسي مؤخراً تشكل مؤشراً في هذا الاتجاه؟
بالعودة الى موضوع اللاجئين حصراً، وبعيداً عن التفجّع المشروع حول الحجم والارقام والنسب، والتي اذكر منها نسبة واحدة (هي أننا بتنا البلد الأول من حيث عدد اللاجئين بالنسبة الى عدد السكان، والبلد الأول من حيث عدد اللاجئين في الكيلومتر المربع)، وتمهيداً للمداخلات ومن ثم النقاش، سوف اتولى طرح الفرضية الرائجة بقوة لدى الرأي العام ولدى الطبقة السياسية ولدى غالبية اللبنانيين ومفادها انه، رغم بعض الاجراءات المعالجات المتناثرة في هذا المجال او ذاك والتي اعطت بعض النتائج الايجابية، فإن قضية اللاجئين السوريين الى لبنان ما زالت خارج السيطرة ولم تدخل بعد مرحلة الاستيعاب.
وسوف نحاول خلال هذه الجلسة التحقق من صحة هذه الفرضية ومن درجة التقدم في معالجة هذه القضية، وذلك في ضوء المعايير التالية:
1- معيار الحجم والتدفق: أي تطور كتلة اللاجئين ووتيرة التدفق في الاتجاهين، ومدى فاعلية وعدالة الشروط التي وضعتها الحكومة مؤخراً لمنح اذونات دخول المواطنين السوريين الى لبنان.
2- معيار المعرفة والتحكم: اي باختصار مدى امتلاك السلطات اللبنانية قاعدة بيانات خاصة بها (سجل رسمي) للسوريين المقيمين السوريين فوق اراضيها مع تصنيف وضعيتهم القانونية، وهي حجر الاساس لأي سياسة لبنانية متماسكة في هذا المجال.
3- سياسة الايواء (أو بالاحرى "لا سياسة" الايواء) المعتمدة حتى الان، والتي ادت (بذريعة تفادي انشاء مخيمات خوفاً من تكرار التجربة الفلسطينية) الى تفريخ 1500 تجمع سكني او مخيم عشوائي يشكلون قنابل اجتماعية وامنية موقوتة منتشرة في معظم ارجاء المناطق اللبنانية.
4- معيار وجود سياسة منسجمة او متماسكة لتنظيم علاقة اللاجئين السوريين بسوق العمل اللبنانية في ضوء المعلومات عن خضوع هذه المسألة لأهواء البلديات ودوائر وزارة العمل في المناطق، بحيث يتراوح الوضع الميداني الآن بين حدّي المنافسة غير المشروعة التي بات يشكلها العمال السوريين في العديد من القطاعات، والتمييز العنصري الذي يمارس ضد هؤلاء اللاجئين في العديد من المناطق.
5- معيار كفاءة وصلاحية ومستوى الخدمات الاساسية، خصوصاً التربوية والصحية، التي يحصل عليها اللاجئون السوريون.
6- معيار النجاح في الحصول من الخارج على المساعدات الضرورية لتمويل هذه الخدمات ولمساعدة المجتمعات المحلية المتضررة من هذا اللجوء.
اطرح هذه الاسئلة مع بذور اجابات معظمها سلبي، رغم كل الجهود المشكورة التي تبذلها بعض من الادارات والوزارات المعنية انما التي لا ترقى الى مستوى إحكام السيطرة او حتى احتواء هذه الازمة الضاغطة. والسبب الرئيسي في ذلك يعود برأيي الى وجود تضارب كبير في الرؤى والخيارات والاولوليات بين الاطراف المشاركة في الحكومة وبالتالي غياب استراتيجية وطنية متكاملة في هذا المجال، وغياب اطار مؤسساتي مختص (وزارة خاصة او جهاز وطني يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة).
للإجابة على هذه الفرضيات والاسئلة سوف نستمع الى احد ابرز المسؤولين العاملين في هذا الحقل، وهو وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، الذي يحمل على منكبيه الجزء الاكبر من اوزار هذا الملف القاسي لكن مع امكانات ووسائل وموارد ضئيلة وقليلة. والوزير درباس هو نقيب سابق للمحامين في طرابلس، ومناضل سياسي وحقوقي منذ سنوات طويلة، وقبل كل شيء صديق واديب مميز وشاعر ذو حس انساني مرهف.
المتحدث الثاني في هذه الجلسة هو د. خليل جبارة، الذي هو استاذ محاضر في الجامعة الاميركية ومستشار وزير الداخلية والبلديات، وناشط مدني منذ سنوات في مجالي ديموقراطية الانتخابات ومكافحة الفساد.