أعلن ترشحه ورؤيته الرئاسية وشدد على إجراء الاستحقاق في موعده وتفعيل السلطة التشريعية لإحياء الدولة نسيب لحود: رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة وآن الأوان لأن يضطلع بمهامه كاملة ومصلحتنا في إنجاز تسوية داخلية تديرها حكومة وحدة وطنية تُشكل بعد الانتخاب

"الآن اليكم نسيب لحود" عبارة قالها عريف الحفل فهبت القاعة وقوفاً وتصفيقاً، فيما توجه رئيس "حركة التجدد الديموقراطي" نسيب لحود الى المنبر ملوحاً بيده "لأصدقاء وأحباء" أتوا داعمين له خلال إعلان ترشحه لرئاسة الجمهورية اللبنانية وإطلاق رؤيته الرئاسية.
غصت قاعة "البافيون" في مجمع "بيال"، أمس، بسياسيين ومناصرين أتوا للاستماع الى البرنامج الذي طرح سؤالين رئيسيين هما "كيف ندير معاً بلداً سيداً مستقلاً من دون وصاية أو تدخل خارجي؟ وكيف نحمي لبنان من أربعة أخطار داهمة هي: خطر العدوانية الإسرائيلية، خطر تحويل لبنان ساحة لصراعات المنطقة، خطر الانهيار الاقتصادي والهجرة وخطر التطرف والإرهاب؟".
بين السؤالين قدم لحود رؤيته الرئاسية للعام 2007 حول اتفاق الطائف وإحياء المؤسسات الدستورية وإصلاح قانون الانتخاب، والنهج الذي يراه مناسباً لمعالجة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية. ودور القطاع الخاص والمجتمع المدني وكيفية تشجيع حركة الإبداع والفكر والثقافة والفن، وعلاقة لبنان بمحيطه العربي والصراع العربي ـ الإسرائيلي وموضوع الجنوب والقضية الفلسطينية والعلاقة مع سوريا.
ورفض لحود فكرة تعطيل الانتخابات الرئاسية والوصول الى فراغ في رأس هرم الجمهورية، وشدد على ضرورة إتمامها في موعدها الدستوري، مركزاً على ضرورة تفعيل السلطة التشريعية.
الكلام السياسي الذي أطلقه لحود محملاً بأبعاد متعددة، كان وسط جو من الألفة والاحتفال البعيد عن البهرجة والمبالغة. إذ غابت عن القاعة الورود والزينة واليافطات المحملة بالألقاب والشعارات التي تزخر بها مناسبات مماثلة. وثبتت على أحد جدران القاعة "سلايد" ظهرت في وسطها العبارة التالية "نسيب لحود رؤية للجمهورية أيلول 2007". وعلى الطرف سجل البريد الالكتروني. زوجته السيدة عبلة وولداه سليم وجومانة نشطوا في التأكد مع المنظمين من أن كل الأمور تجري وفق ما هو مرسوم. وقبيل دخول لحود جلسوا في صف المقاعد الرابع، تاركين الصفوف الأولى للسياسيين والأصدقاء.
بيان الترشيح
بدأ حفل الإعلان بالنشيد الوطني ثم بدقيقة صمت عن أرواح شهداء لبنان. بعدها كلمة لعريف الحفل مازن حايك ذكر فيها بمقتطفات من مقالات للكاتب جورج ناصيف والشهيد سمير قصير عن نسيب لحود قبيل ترشحه للرئاسة عام 1995 و2004 وبعد انتخابات 2005 النيابية. بعدها أطل لحود وتلا بيان ترشحه لرئاسة الجمهورية وجاء فيه:
يلتئم مجلس النواب في غضون الاسابيع المقبلة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. هذه المرة، تأتي انتخابات الرئاسة ولبنان يمتلك فرصة حقيقية للامساك بزمام مصيره. وللمرة الاولى منذ عقود، تاتي انتخابات الرئاسة من بوابة الحرية والاستقلال والسيادة، التي دفعنا جميعا غاليا، وكل من موقعه، ثمن استردادها. هذه المرة، تتيح انتخابات الرئاسة فرصة سانحة لفتح صفحة جديدة، ولتجديد عقد الشراكة الوطنية، الذي ابرمه اللبنانيون، هم، وآباؤهم واجدادهم من قبلهم، للعيش معا، ليس على ارض واحدة فحسب بل في ظل دولة واحدة، لا شرعية فوق شرعيتها، ولا سيادة فوق سيادتها.
عشية هذا الاستحقاق المصيري، تزدهر المناورات والمناوشات والتشكيكات، الرامية الى تعطيل الانتخابات وصولا الى الفراغ في رأس هرم الدولة والجمهورية، وهو فراغ مرير سبق للبنانيين ان تجرعوا كأسه المرة في مراحل سابقة. في مقابل التهويل والترهيب والتعقيد، فان طرحنا بسيط وواضح، وهو اتمام الانتخابات وفق الاصول، اي وفق مشيئة اللبنانيين ونوابهم. المطلوب انتخابات تعطي بارقة امل جديدة للبنانيين، وتعطيهم يقينا بأن وطن الارز جدير بالحياة. المطلوب اشعار اللبنانيين مجددا، بأن طاقاتهم الفردية الخلاقة ونجاحاتهم الخارقة والباهرة في اربع جهات الارض، وفي اكثر من 150 دولة في العالم، لها منبت ثابت، وارض صلبة عريقة هي ارض لبنان.
خلافا لحملات التشكيك ومناورات التهويل الهادفة الى التعطيل، ثمة في المقابل اسئلة وتساؤلات، يعبر معظمها عن هواجس حقيقية او تطلعات مشروعة. ان الافصاح عن هذه الهواجس من قبل الجميع وتداولها وتبادل التطمينات والضمانات حولها، هو مدخل طبيعي لتبديدها، ولتعبيد الطريق لصناعة مستقبل مشترك، تماما كما الاعتراف المتبادل بالتضحيات والاسهامات الايجابية هو المدخل البديهي لانصاف الآخر.
بعد سنتين على استعادة الاستقلال وخروج القوات السورية من لبنان، وبعد سبع سنوات على تحرير الجنوب والبقاع الغربي، من الاحتلال الاسرائيلي، ما زال مصير لبنان معلقا بين سؤالين. السؤال الأول هو كيف ندير معا بلدا سيدا مستقلا، من دون وصاية أو تدخل خارجي؟ والسؤال الثاني هو كيف نحمي لبنان من اربعة أخطار داهمة: خطر العدوانية الإسرائيلية؛ خطر تحويل لبنان ساحة لصراعات المنطقة؛ خطر الانهيار الاقتصادي والهجرة؛ وخطر التطرف والارهاب. وما بين هذين السؤالين، تزدحم اسئلة اخرى قد تكون اقل الحاحا انما ليست اقل اهمية، وهي:
- كيف نحمي صيغة العيش الواحد المشترك؟
- كيف نستعيد النظام الديموقراطي وآليات عمل المؤسسات الدستورية؟
- كيف نبني اقتصادا حديثا تنافسيا يرفع مستوى معيشة اللبنانيين؟
- كيف نطلق آليات مستدامة لمكافحة الفساد؟
- كيف نحفز حركة الإبداع والفكر والثقافة والفن والتربية والتعليم؟
- كيف نرسخ آليات طوعية لتجاوز الواقع الطائفي؟
تلك هي اليوم الأسئلة-المفاتيح للوضع اللبناني. والسعي الى تقديم اجوبة مشتركة عنها هو حجر الاساس لأي مشروع وطني اصلاحي وتطويري جامع، يصوغ المشترك والمتفق عليه، ويدفع به نحو التنفيذ. اما المختلف عليه، فيجب ان يذلل عبر الحوار، وعبر التسويات النبيلة المشرفة والعادلة.
* * * *
ولعل العديد من الاجوبة والتطمينات والضمانات حول العديد من تلك الاسئلة والهواجس المصيرية ما زال موجودا في "اتفاق الطائف"، خصوصا ما يتصل منها بأساسيات بناء الأوطان، اي الاستقلال والوحدة الوطنية والعيش المشترك، التي هي في لبنان، اقانيم ثلاثة لجوهر واحد. ومنطلق الوحدة الوطنية هو الاقرار الصريح بأن اي رابط خارجي، مهما سما، يبقى ادنى مرتبة من العقد الوطني القائم بين اللبنانيين. تلك هي فلسفة اتفاق الطائف، وتلك هي روحه الوفاقية.
الوجه الآخر المجسد لروح اتفاق الطائف هو توزيع السلطات من ضمن مبدأ "جماعية السلطة" وعدم حصرها في ايد افرادية واحدة. فالطائف لو طبق، -- ولدينا اليوم فرصة سانحة لتطبيقه -- يحفظ لرئيس الجمهورية دورا محوريا في الحياة السياسية والدستورية للبلاد. ان رئيس الجمهورية شريك فعلي في تشكيل الحكومة وتعيين الوزراء، وتوقيع المراسيم التنفيذية. وهو مؤتمن على الدستور، وعليه بالتالي الاضطلاع بإعلاء قيم الجمهورية. ورئيس الجمهورية هو رئيس الدولة بكل سلطاتها وبكل مؤسساتها. وهو بالتالي ناظم لعمل تلك السلطات ومنسق لتعاونها وضامن للفصل بينها.ان قوة الرئيس هي في تصرفه كقدوة اخلاقية ومعنوية للوطن والدولة. وقوة الرئيس كذلك في امتلاكه رؤية منزهة عن كل مأرب ذاتي، وقدرة قيادية توفر الدفع والتحريك والفعالية. وبعد 18 عاما على اقرار الدستور الجديد، آن الاوان ان يضطلع رئيس الجمهورية بمهامه كاملة، دون زيادة او نقصان.
ان السلطة الأساس في أي نظام برلماني هي السلطة التشريعية. لكن مجلس النواب يعاني منذ نهاية العام 2006 من تعطيل اعماله، بالترافق مع الازمة الحكومية والاعتصام المستمر في وسط العاصمة. لا يجوز ان يبقى المجلس النيابي مقفلا، كما لا يجوز ان يبقى هذا الاعتصام. ومن ابرز دروس هذه الازمة الاخيرة هو ضرورة انكباب المجلس في اقرب فرصة على اقرار آلية واضحة لتفسير الدستور عندما تبرز اجتهادات عدة لتفسير مواده كما هو حاصل اليوم في ما يتعلق بالمادة 49.
وقد طاول التطبيق المشوه لاتفاق الطائف، في المرحلة السابقة، مؤسسة مجلس الوزراء. وقد اخذت بعض التشوهات طابعا نزاعيا على حدود الصلاحيات، بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء انفسهم، كل ذلك على خلفية سياسية في معظم الاحيان. ان انتخاب رئيس جديد مؤتمن للجمهورية لا بد ان يفتح صفحة جديدة على مستوى مؤسسة مجلس الوزراء وتكريس الاطار الجماعي الصحيح لممارسة السلطة التنفيذية في البلاد.
ويبقى تحقيق السلطة القضائية المستقلة من ابرز العناوين لتجسيد دولة الحق والقانون. وهنا لا بد من أن تنحصر في مجلس القضاء الأعلى كل الصلاحيات المتصلة بالقضاء. ولا بد كذلك من احياء المجلس الدستوري الذي كان قد تعطل بفعل الانتهاكات التي تعرض لها ابان المرحلة السابقة. وفي سياق تحقيق العدالة، لا بد من التوقف امام المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، ولجنة التحقيق الدولية في هذه الجريمة والجرائم الاخرى المرتبطة بها. هاتان المحكمة واللجنة اصبحتا جزءاً لا يتجزأ من منظومة العدالة والقضاء في لبنان، واللبنانيون يتطلعون اليهما بأمل كبير لجلاء الحقيقة وتحقيق العدالة وتشكيل رادع امام الجريمة السياسية.
ومن الاولويات إعادة الاعتبار والفاعلية الى هيئات الرقابة والحكم الصالح مثل ديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية وهيئة التفتيش المركزي والمعهد الوطني للادارة، وذلك عبر منع التدخل في اعمالها ومنع تجاوز السلطة التنفيذية لقراراتها وادوارها. والضرورة نفسها تنطبق على كل الهيئات التي استحدثت بعد اتفاق الطائف، مثل المجلس الوطني للإعلام، والمجلس الاقتصادي الاجتماعي.
اما الجيش والقوى المسلحة، فقد ابرزت احداث نهر البارد والانجاز الكبير الذي تحقق في المعركة، ومن قبلها انتشار الجيش في منطقة الجنوب، الدور المحوري الملقى على عاتق الجيش وسائر القوى المسلحة، في الدفاع عن لبنان، والحفاظ على امن الدولة والمواطنين. كما ابرزت تلك التطورات ضرورة تعزيز الجيش وقوى الامن الداخلي وسائر القوى المسلحة، وزيادة تجهيزها وتسليحها وتدريبها، وصولا الى جعلها الجهة الوحيدة المؤهلة قانونا حمل السلاح، تحت امرة المؤسسات الدستورية، بحيث تتولى الدفاع عن لبنان في وجه الاعتداءات الاسرائيلية، وتصدّ الاعتداءات الارهابية وسواها. ان الانفاق على الجيش والقوى المسلحة هو استثمار في مستقبل لبنان.
...
للحصول على الكلمة والحوار كاملاً، سحب الملف PDF
www.nassiblahoud.org