إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
أخبار التجدد/

الى السيد هاني فحص وعنه - بقلم ميشال عقل (النهار)

(مقالة نُشرت أجزاء منها في جريدة النهار بتاريخ 11/10/2014. فيما يلي النص كاملاً مع الاشارة الى المقاطع التي حذفت).


كل الذين كتبوا أو تحدثوا عنك، عشية الغياب وغداته، وسبروا أعماق إنجازاتك ومؤلفاتك وتراثك، أجمعوا على صورتك البهية الناصعة، ودورك الرائد وقامتك المُشرقة وقيمك الانسانية النبيلة الجامعة. ولقد أبحروا في عقائد وقناعات رجل الدين والدنيا، الذي ظل طيلة مسيرته، ينبوعاً دفاقاً للكلمة الحرّة والحداثة والثقافة النقدية والإصلاح الديني، ومثالاً للمناضل الوطني-اللبناني-الفلسطيني- العربي، الثأئر من أجل الحقوق والفقراء والمهمشين، المدافع بشراسة وحجة عن الحوار والتواصل والتنوع والتعدد في الاجتماع اللبناني والعربي.
أيها المنحاز الى الاعتدال والبناء والدولة المدنية "العلمانية"، سمّها ما شئت كما كنت تردد، شرط أن تكون مبنية على حقوق الناس والمواطنة والحرية والسيادة والعدالة. وداعاً أيتها الموسوعة الدينية-المدنية-السياسية التي أغنتْ المكتبة العربية واللبنانية، خصوصاً الاسلامية، بما ألفتَ ونشرت قبل الرحيل، وبما سوف يُنشر من دراسات وكتب وضعتَ مسوداتها، وهي مكملة لاطروحاتك خصوصاً منها الخلاصات التي انتهيت إليها في تجربتك الغنية والفريدة.
هذا الاجماع على الإشادة بدورك وإنجازاتك ومواقفك تَعرَّض لبعض الخروقات الخجولة، تلميحاً أو تصريحاً، خصوصاً في نقد مقولتيك عن "الاعتدال" و "الدولة"، تحت ذريعة أن هاتين لا تتفقان في مآلهما مع مسيرتك والبدايات. أخالك قابلاً شاكراً لو كنت لا تزال بيننا، ليس استجابةً لما ذهبوا إليه، إنما دفاعاً عن حقهم في النقد، أنت الذي كنت رائداً في الدفاع عنه حتى تقديسه.
وجدتُ ذاتي معنياً بهذا الموقف، ليس دفاعاً عنك، بل عن نفسي وقناعتي وعن كثيرين من أبناء بيئتي وثقافتي الذين انتهوا الى هذه الخلاصة. ولقد تزامن هذا الموقف مع بعض ما طُرح في المرحلة الأخيرة من نقاش حول إشكالية الاعتدال والتطرف في وسائل إعلام لبنانية ومنها جريدة "النهار" الغراء، وصولاً الى قول أحدهم صراحةً "بموت الاعتدال". أليس نبذ "الاعتدال" في المجتمع والسياسة والدين بعضه مراهقة، وبعضه مغالاة، وآخره مغامرة في أزمنة التطرف القاتلة؟ صحيح أن الثورات وفلاسفتها يصنعون الأحداث الكبرى في التاريخ ولا حاجة لإثبات، إنما الصحيح أيضاً أن رواد الفكر والعقل والعلم والثقافة يصنعون الاعتدال والنظم والدول والاستقرار والتنمية، "والدولة مُبتغى الثورة". أضف أنه إذا كان ذلك صحيحاً بالمطلق، ولكل العصور والمجتمعات، أفلا يكون أولى لمجتمعاتنا المنوعة المتعددة الحاملة لبزور النزاع في تكوينها، في زمن ثورة المعلومات والاتصالات وتحويلاتها الهائلة الجارفة؟. إن مطلقي هذه النظريات ومنظروها ذاهبون الى محاكاة الأصولية والتطرف والعنف، عندما يأخذون عليك وعلى أمثالك من أئمة الفكر والثقافة والعلم، كالمطران جورج خضر، ميلكم الى الاعتدال والوفاق.

في ذكرى "عامية أنطلياس" 17 تموز 2014 وقف السيد يقول: "لأن الاعتدال في عرف المتطرفين، ثواراً وروحانيين واقطاعيين، تطرفٌ… لذلك قرر الأب كاميليو توريس، الذي ظلمته كنيسته، أن يبتدع حلولاً وسطاً، أي أقرب الى الحق والحقيقة والعدالة، ومثالية لأنها واقعية". "النهار 30 آب 2014". إن في مقاربة الوسطية والاعتدال شجاعة وصعوبة وصبراً وعلماً وفناً يفوق تلك التي للثورة والجهاد والقتال، والسيد يعرف ذلك ويتقنه، وهو لم يذهب الى "الاعتدال" "والدولة" من فراغ ولم يترك ثوريته ولم يتخلَ عن طانيوس شاهين وتشي غيفارا، بل عرف أن الطريق خصوصاً في هذه البلاد المصبوغ تاريخها وواقعها بالتنوع، دينياً واجتماعياً وثقافياً وإثنياً وقومياً، لا تستقيم ولا تستكين إلاَّ بالاعتدال الذي أساسه الحوار والعقل والواقعية، ومبتغاه العدل والدولة. ذُروة هذا الإنحياز الى الاعتدال والعقلانية والرهان على الدولة المدنية، قالها في ذكرى نسيب لحود الأولى 19/6/2012 عندما وقف يمتدح الرجل مُشيداً بدوره وأداءه الديمقراطي المعتدل "مُصِراً على انتاج الديمقراطية بالشراكة والحوار" مُبرزاً اعتداله وعدالته وعقله مضيفاً، أحبُهُ وأثقُ به لأن "لسانه وراء عقله". يقول المفتي مالك الشعّار :"إن كل عَالمٍ في الإسلام معتدلٌ" والسيد هاني فحص إمام وعالم كبير وفقيه لا يُحاجج.

وفي العشر الأخيرة من تجاربه، كان السيد رائداً في العمل من أجل التغيير، سالكاً طريق الاعتدال وركنيه الحوار والنقد، ساعياً الى قبول الآخر أي آخر، كما هو لا كما نريده أو نتخيله، والبناء معه ونقده بمودة واحترام وتبادل. لقد ذهب أبعد من ذلك الى تجارب أكثر جُرأة ، الى "المعية"، بلا حدود تفكيراً وعيشاً وصلاةً، متجاوزاً الحوار الإسلامي-المسيحي على ضرورته وأهميته، وصولاً الى اكتشاف القيم المشتركة في الأديان والمذاهب، التي ينبغي أن تكون بحسبِهِ حَسْبِنا، حكماً في خدمة الإنسان لا في خدمة الله، جل جلاله. ففي كل المؤسسات التي لفَّها بعمامته وفكره وعقله وسماحته وفقهه وإنسانيته، وعجنها بخميرته، في "الفريق العربي للحوار الاسلامي-المسيحي" و"معاً نعيد البناء" و"فرح العطاء" و"انتظارات الشباب" و "تجمع لبنان المدني"… وسواها، مسيرةٌ واحدة مميزة تُترجم عقيدته وحياته الاسلامية-المسيحية-الإنسانية السمحة فكراً وشهادة.

وعندما خلص الى اعتبار الإنسان غاية الغايات، وضع بعضاً من فكره النظري الأيديولوجي جانباً، وسخَّرَ عمامته وجبته وكل ما أُوتوي من روح وحكمة ومعرفة وفقه لخدمة هذا الانسان، ولم يتنكر لتاريخ، ولم يكن أسير نص أو موقف أو رأي أو كتابة. كان دائم التعلق والتمتع بالحرية وقائم فيها وحدها وهي بانيته ومحررته. لذلك قال الصدق دوماً مع نفسه ومعنا، من دون عبادة للتاريخ والتراث والنص. هو إمام الحوار والجدال والتحول والصيرورة والحداثة. إذهبوا جميعاً يا محبي ومقلدي السيد ويا معارضيه، الى نقد الذات والتجربة، إلى التوبة العلنية في السياسة والدين والمجتمع… هذه هي الطريق الى الشفاء من كل الأسقام. بئس الاستكبار والاستقواء والأدلجة… ونِعْمَ البساطة والتواضع واتضاع الفكر والصبر والمحبة. قِمَّةُ القِمم في خلاصات السيد قوله "أما أنا فقد تأخرت قليلاً عن عملي في ورشة الحب، لأني كنتُ مسكوناً بهواجس أيديولوجية، دينية وسياسية، تُشبه الدين والوطن، ولكنها تفصل حاملها عن الديّان ولبنان" .
رحم الله السادة محمد مهدي شمس الدين وصبحي الصالح وعبد الله العلايلي وسليم غزال، وأعاد إلينا الإمام المغيب موسى الصدر، وأطال بأعمار السادة جورج خضر وغريغوار حداد وبولس الخوري ومالك الشعّار ومحمد السماك وعباس الحلبي وعبد اللطيف دريان ومكرم قزاح ومارون عطاالله وحبيب صادق وسواهم، فلهؤلاء جميعاً، معك، إمتياز الفكر والشراكة والشهادة.

السيد هاني، نحن بحاجة إليك اليوم أكثر من أي يوم مضى لمواجهة أعداء الله والإنسان والحياة، الذين يشوهون الأديان والمذاهب والأوطان والخليقة. تعالوا معاً، محبةً بالسيد ووفاءً له ولمسيرته، لنقاوم التطرف والعنف والغرائز والأصوليات في ذواتنا وفي محيطنا، بالحوار والعقل والاعتدال والمحبة والحرية والتنمية والدولة.

← العودة إلى أخبار التجدد