كلمة رئيس حركة التجدد الديموقراطي نسيب لحود في ندوة 'قالوا في الرئيس الشهيد رفيق الحريري' الجامعة الاميركية في بيروت
سنة مرت على استشهاد رفيق الحريري، ولم نألف بعد فكرة غيابه. سنة كاملة مضت، وما زال رفيق الحريري الأكثر حضورا بين اللبنانيين، الغائبين منهم والحاضرين. سنة كاملة مضت، وما زال رفيق الحريري الفاعل الأكبر في صناعة مستقبل هذا البلد وأهله الطيبين. لكنها ايها الاصدقاء لم تكن سنة الشهادة والاحزان الكبرى فحسب، بل ايضا سنة الانجازات الكبرى المعمدة بدماء رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وسائر الشهداء والشهداء الأحياء. انجازات، منها اكتمل، ومنها لم يتكمل، وان كان لا بد من اكتماله. فاستعادة لبنان استقلاله ومكانته بين دول العالم، الذي عمل رفيق الحريري من اجله طوال حياته، هذا الاستقلال المستعاد، اصبح اليوم حقيقة واقعة لا عودة فيها ابدا الى الوراء. وخروج الجيش السوري، وانتهاء نظام الوصاية هو ايضا حقيقة واقعة لا عودة فيها الى الوراء، لا بالنسبة الى الجيش السوري ولا بالنسبة الى اي جيش آخر غير جيش لبنان. يجب الا ننسى: هذه من انجازات واسهامات رفيق الحريري، في حياته، وبعد استشهاده.
وتبقى انجازات اخرى، في طور الاكتمال والتحصين، رغم المحن والتجارب القاسية التي يتعرض لها لبنان بوتيرة شبه يومية. وفي طليعة الانجازات قيد الاكتمال قضية الوحدة الوطنية، الوحدة الوطنية الشعبية العفوية، التي لم تتجلى في يوم من الايام كما تجلت في 14 آذار 2005 في ذكرى مرور شهر على اغتياله. يومها، انقلب السحر على الساحر، وتحولت هذه الجريمة النكراء الى شعلة وفاء للرجل الكبير. هذه الشعلة حملها بالدرجة الاولى شباب لبنان وطلابه، اي انتم، الذين سيسجل التاريخ دوركم الطليعي في استعادة استقلال لبنان، بعد عقود من الاقتتال الداخلي والاحتلال الاسرائيلي والوصاية السورية.
ايها الاصدقاء، يبقى كذلك في طور الانجاز، الطموح الكبير، والحلم الكبير: حلم بناء الدولة. هذا الحلم الذي رافق رفيق الحريري في كل مفاصل سيرته الحافلة. انه حلم بناء الدولة الديموقراطية المتينة القادرة، دولة الحريات والحقوق المدنيةالمصانة في حمى القانون، الدولة الملاذ، الحاضنة لأبنائها من دون تمييز، دولة القضاء المستقل العادل والادارة الحديثة المنزهة من الفساد، دولة العلم والحداثة والانتماء الى العصر، دولة العدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة، دولة الاقتصاد المزدهر المنفتح على العالم، وباختصار دولة الرئيس رفيق الحريري، كما حلم بها وعمل من اجلها ما استطاع.
ايها الاصدقاء، كان بودّي في السنة الاولى لاستشهاده ان اكتفي بالحديث عن الانجازات والطموحات. لكن الغيرة على تلك الانجازات والطموحات، تدفعني، في حضور صديق عزيز ورجل دولة مميز، كان دوما من اقرب المقربين الى الرئيس الشهيد، وهو اليوم في موقع المسؤولية الحكومية الاولى، الى التنبيه من محاذير ثلاثة:
اولا- التساهل في الإمساك بالأمن؛
ثانيا- ابقاء لبنان ساحة للصراعات الخارجية؛
ثالثا- استمرار السياسة السلبية لسورية حيال لبنان.
ابدأ بالنقطة الاولى، لأنها الأكثر الحاحا. ففي ظل الهجمة الارهابية التي يتعرض لها لبنان، لا يمكن ان نحافظ على اي من انجازاتنا السابقة، ولن ننجز ايا من طموحاتنا اللاحقة، ما لم تمسك الدولة، وفي اسرع وقت، بزمام الأمن، بكل مفاصله ومستوياته. وفي الطليعة، الأمن الوقائي او الأمن الاستباقي. ما لم ننجح في الامساك بالأمن، لا يمكننا التقدم في باقي الامتحانات. هذا هو الدرس الأهم من أحداث الأحد الماضي في الأشرفية. ايها الاصدقاء، في الاشرفية لم تسقط الدولة، نعم، انما بفضل المواطنين ووعيهم واخلاصهم لوطنهم، وذلك على الرغم من الثمن الغالي الذي دفعوه. في الاشرفية، المواطنون هم من احبط الفتنة المدبرة من الخارج. أحبطها البعض بصبرهم وحكمتهم، واحبطها البعض الآخر بالإدانة والتضامن. لكن الى متى ينبغي استمرار الرهان على وعي المواطنين وإخلاصهم فحسب؟ اما آن الاوان للدولة واجهزتها ان ترفد هذا الوعي؟ هذا هو الدرس الاهم من احداث الاشرفية. وهذا هو الدرس الاهم من اغتيال رموز وابطال انتفاضة الاستقلال. هذا هو الدرس الاهم من محاولات استغلال السلاح الفلسطيني. وهذا هو الدرس الاهم من الاستحضار المفبرك لمقاتلي القاعدة الى لبنان.
وهذا يقودنا ايها الاصدقاء الى النقطة الثانية، وهي خطر تحويل لبنان مجددا ساحة للصراعات الخارجية ومسرحا لتصفية الحسابات. هذا ما نخشى ان يكون مخططا للبنان. وهذا ما يستدعي من جميع الاطراف اللبنانيين، موقفا واضحا حيال العلاقة مع الخارج سواء الخارج البعيد او القريب. اين تبدأ تلك العلاقات، واين تنتهي؟ وايهما اهم: اعتبارات التحالف الاقليمي خارج الحدود ام اعتبارات التعاقد الوطني بين اللبنانيين؟ تلك اسئلة تتطلب اجوبة واضحة اذا اردنا تحصين لبنان من خطر تحويله مجددا ساحة للتجاذبات الاقليمية، وبالتالي افقاده استقلاله واستقراره. من ناحيتنا، وهنا نستلهم مواقف الشهيد الكبير رفيق الحريري، نحن نريد لبنان شريكا فاعلا في الدفاع عن القضايا العربية، وليس ساحة لصراعات المحاور والمصالح والاجهزة. وحده نهج الاعتدال، كما ارساه رفيق الحريري، يضمن بقاء لبنان وطنا لجميع ابنائه، يتحمل مسؤولياته الوطنية والعربية بمقدار طاقته على الاحتمال.
النقطة الثالثة ايها الاصدقاء تتعلق بمخاطر الدور السلبي الذي ما زالت سورية تضطلع به في لبنان، وبميوعة مواقف بعض الاطراف اللبنانيين من هذا الدور. فالنظام السوري، وبالرغم من انسحاب جيشه رسميا من لبنان، لم يتخلى حتى اللحظة عن نظرته الاستتباعية للبنان، ولا عن التدخل السافر في شؤونه الداخلية، ولا عن محاولات زعزعة الاستقرار فيه. ان النظام السوري لم يتخلى ابدا عن هذه السياسة، كي تسارع بعض القوى الى منحه براءة ذمة، والى التغاضي عن امتداداته في لبنان، والى التفرغ لمحاربة الحركة الاستقلالية فيه وقادتها ورموزها. ايها الاصدقاء، ان العلاقة مع سورية لا بد لها ان تستقيم. هذا هو منطق الاشياء. لكن تصحيح العلاقات يجب ان ينطلق من اقتناع سورية بأن لبنان بلد حر سيد مستقل. كما يتطلب:
1- تعاون سورية الفعلي مع التحقيق الدولي؛
2- ترسيم الحدود بدء من مزارع شبعا؛
3- الموافقة على تبادل السفراء؛
4- حل مسألة المعتقلين في السجون السورية.
ان التهاون مع هذه الضرورات، لا يخدم المصالح الحقيقية للبلدين، بل يشكل دعوة ضمنية للنظام السوري لمواصلة سياسته السلبية في لبنان، وتمديدا لمعاناة اللبنانيين.
ايها الاصدقاء، في الذكرى الاولى لاستشهاد الرجل الكبير، الانجازات الكبيرة التي تحققت تدفعنا الى التفاؤل. والتضحيات الكبيرة التي بذلت تمنعنا من التخاذل. والطموحات المشروعة المتبقية تدفعنا الى التوحد ومضاعفة الجهود. والمؤامرات التي ما زالت تحاك تدفعنا الى الحذر والوعي والصمود. لكننا حتما سننتصر.
عاشت ذكرى رفيق الحريري،
عاشت انتفاضة الاستقلال وانتفاضة الحرية،
عاش طلاب لبنان وشبابه،
عاش لبنان.