مداخلة د. انطوان حداد في ندوة "وحدة الجبل أساس العيش المشترك" المركز الاجتماعي – بتخنيه (المتن الاعلى)
اسمحوا لي بداية ان اتوجه بالشكر الى الفريق العربي للحوار الاسلامي-المسيحي والى رابطة آل ابوالحسن الكرام لاستضافتهما هذا اللقاء، كما يسعدني ان اتشارك هذا المنبر مع اصدقاء اعزاء ورفاق منذ سنين طويلة على دروب الحوار والاعتدال وتحصين السلم الاهلي وبناء الدولة.
نلتقي اليوم تحت عنوان "وحدة الجبل أساس العيش المشترك"،
وانا أضيف ان وحدة الجبل هي أساس وحدة لبنان، لا بل اساس كيان لبنان، واستقلال لبنان، في كل مرحلة نعم بها هذا الكيان اللبناني بالوحدة والاستقلال، حتى ولو كانت هذه الوحدة نسبية، حتى ولو كان الاستقلال نسبيا كما يشكو الكثيرون (وانا منهم).
ايها الاصدقاء،
لسنا بحاجة للغوص عميقا في تاريخ التجربة اللبنانية للدلالة على دور الجبل في هذا المجال، والذي اعتقد انه موضوع خارج نطاق الجدال. فقبل نشوء ذلك الحيز الجغرافي الذي تفاعل فيه اولا الدروز والمسيحيون في بوتقة حضارية واجتماعية واقتصادية وسياسية واحدة بدء من القرن السادس عشر، والذي سيعرف لاحقا بامارة الجبل أو بجبل لبنان، لما كان ممكنا الحديث عن الكيان اللبناني كما نعرفه اليوم.
تلك الثنائية الدرزية-المسيحية، وبالاصح الدرزية-المارونية، التي تأسس عليها لبنان (وان كانت في البدء موضع تحفظ وحذر الجماعات الجماعات الاخرى، اسلامية او مسيحية) ، تلك الثنائية الدرزية-المارونية تحولت لاحقا، أي بعد 1920، الى ثنائية اسلامية-مسيحية؛ لكن جوهرها (أو الغرض منها اذا جاز التعبير) بقي واحدا (من حيث المبدأ)، الا وهو القبول بالتعددية وتنظيم التنوع من ضمن الوحدة.
هذا المسار التشاركي الممتد على 500 عام ونيف لم يكن على الدوام مسارا ورديا، بل تخللته حروب وصراعات وصفحات سوداء وفتن، ابرزها فتنتي 1840 و1860 ثم فتنة 1982 الكبرى التي لم تلتئم جراحها بالكامل بعد، رغم المصالحة التاريخية التي تمت عام 2001 برعاية البطريرك نصرالله صفير والاستاذ وليد جنبلاط، التي يحاول البعض، عن جهل او عن انانية، التشكيك بها او التقليل من اهميتها.
العبرة الاساسية من تلك المصاعب والمآسي هي ان الوحدة لا تعني الذوبان، ولا تعني الخضوع ولا الاخضاع، ولا الاعتكاف ولا الذمية، لا الذمية الدينية ولا الذمية السياسية. الوحدة التي نتحدث عنها كان شرطها ولا زال الحرية والندية، لا بل ان صنوها هو الحرية والندية.
العبرة الثانية التي ارادت هذه الندوة ابرازها هي ان اهتزاز وحدة العيش المشترك في جبل لبنان في أي مرحلة من المراحل كان كفيلا بوضع كل لبنان على شفير الحرب والدمار لا بل الاندثار.
اذن ابناء الجبل من كل الطوائف والمذاهب لطالما ترتب عليهم مسؤولية مزدوجة، هي تنظيم وتحصين العيش المشترك وفق مستلزمات الحرية والندية والمساواة، حرصا على وحدة الجبل وسلمه الاهلي وازدهاره من ناحية، والزود عن وحدة الكيان اللبناني ككل وسلمه الاهلي واستقراره وتقدمه وازدهاره من ناحية ثانية.
ما هي حدود تلك المعادلة المزدوجة؟ وماذا يصح منها اليوم؟
الشق الاول من المعادلة اي مسؤولية تنظيم العيش المشترك وفق مستلزمات الحرية والندية والمساواة، يبقى ضرورة اولية قائمة بذاتها بمعزل عن تبدل الظروف التاريخية والمراحل وبمعزل عن انعكاس ذلك على الشق الثاني من المعادلة، اي على الكيان اللبناني ككل. باختصار وببساطة كلية، ان وحدة الجبل هي حاجة ماسة لتلك المنطقة وابنائها قبل ان تكون ضرورة وطنية شاملة.
فالمصلحة البديهية المباشرة لأبناء الجبل من كل الطوائف والمذاهب تقضي مهما كانت الظروف بتفعيل ميثاق العيش المشترك واستكمال مفاعيل مصالحة 2001 التاريخية وازالة آثار محنة 1982 (او ما تبقى من تلك الآثار) بكامل جوانبها الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ان تحقيق هذا الامر وتعزيز سائر اجراءات بناء الثقة، كفيلان بخلق مناخات جديدة واطلاق دينامية جاذبة للاستثمارات ومولدة لفرص العمل اللائقة والحديثة والمنتظمة التي تحتاج اليها المنطقة وابناؤها، سواء من الخريجين ومن الوافدين حديثا الى سوق العمل او من المستثمرين الذين يرغبون في بتوظيف ثرواتهم في منافذ منتظمة وحديثة او المغتربين الراغبين بالعودة للعمل والاستثمار، انما من ضمن أطر تتناسب مع المعايير الحديثة والخبرات الرفيعة التي اكتسبوها في بلدان الاغتراب. والجبل يغصّ بتلك الكفاءات والثروات والخبرات، وربما اكثر من الكثير من المناطق اللبنانية الأخرى.
فمن الملفت، لا بل من المقلق، على سبيل المثال، ان يكون الجزء الجنوبي من جبل لبنان لم يستقطب في العقدين المنصرمين الا جزء ضئيلا (يقدر باقل من 3%) من اجمالي الاستثمارات المباشرة التي تدفقت على المناطق اللبنانية في العقدين المنصرمين وهي تزيد عن 100 مليار دولار، والجب هو المنطقة التي تتمتع (بلغة الاقتصاد) بمزايا تفاضلية هائلة ليس اقلها ان فيها بنية سكانية وثقافية وتعليمية مرتفعة الكفاءة، وتقع جغرافيا على كتف العاصمة بيروت، وتتوسط طريق بيروت-دمشق وبيروت-البقاع الذي يفترض بها ان يكون الشريان الاقتصادي الاهم للبنان.
من الملفت كذلك ان الجزء الاكبر من الاستثمارات التي وظفت في هذه المنطقة تركزت خلال العقدين المنصرمين في القطاع العقاري (الكثير في مجال المضاربة العقارية، والقليل في مجال السياحة) وليس بالضرورة في مشاريع مولدة لفرص العمل المستدامة التي يحتاج اليها شبابنا درء للانتقال الى بيروت او للهجرة الخارجية.
واليوم، لا بد للوضع ان يكون قد ازداد تراجعا مع استفحال الازمة الاقتصادية على مستوى لبنان ككل.
مثال آخر: تقول احدى الدراسات ان نحو 900 الف وظيفة (فرصة عمل) استحدثت في لبنان بين 1992 و2010، نال منها جبل لبنان الجنوبي (اذا استثنينا المنطقة الساحلية من قضاء بعبدا، أي الضاحية الجنوبية) نحو 40 الف وظيفة فقط. مهما تكن دقة هذه التقديرات، فهي مدعاة للبحث والتفكير.
أيها الاصدقاء،
ان اجراءات بناء الثقة (أو اعادة الثقة) الكفيلة باطلاق دينامية استثمارية واقتصادية مغايرة، تتعزز هي ايضا بوقف التعبئة الطائفية والتخويف الموسمي الذي يمارسه البعض غب الطلب ووفقا لبورصة الاستثمار السياسي؛ وتتعزز ايضا بالتزام جميع القوى السياسية الفاعلة في المنطقة موقفا مسؤولا في هذا المجال، خارج الاصطفافات والتحالفات والحسابات الانتخابية. باختصار، يفترض بقضية استكمال مفاعيل المصالحة واعادة بناء الثقة ان تغدو خارج اللعبة السياسية اليومية وخارج عدة الشغل للاحزاب والقوى السياسية .
أخيرا وليس آخرا في هذا المجال، فان القاطرة الادارية لاستكمال مفاعيل المصالحة وتفعيل آليات واجراءات بناء الثقة على كل المستويات يمكن ان تكون وزارة شؤون المهجرين. ومع تقديري للوزير الصديق علاء ترو والعاملين معه، فان الوزارة بهيكليتها الحالية وبامكاناتها الحالية غير قادرة على اداء هذا الدور التنموي الطليعي.
بالعودة الى الشق الثاني من المعادلة، اي وحدة الجبل كشرط لوحدة لبنان وللعيش المشترك في لبنان.
نعم ايها الاصدقاء، ان هذا الشق من المعادلة ما زال قائما، اي ان وحدة الجبل هي اساس العيش المشترك في لبنان، وما زالت وحدة الجبل شرطا ضروريا لوحدة لبنان، لكن تحديات جسام نوعية تراكمت في السنوات الماضية في وجه العيش المشترك، لا بل في وجه الصيغة اللبنانية ان لم نقل الكيان اللبناني. هذه التحديات من الخطورة بحيث يمكن القول من دون اي مبالغة انها قادرة على تغيير وجه لبنان الذي عرفناه خلال المئة سنة الماضية.
التحدي الأول هو تحدي الخروج عن الدولة، بكل ما تعنيه الدولة من ميثاق ودستور وقانون وسلطة وكيان معنوي، بحيث يواظب فريق من اللبنانيين بالتحلل من موجبات التعاقد الوطني، ويقرر نيابة عن سائر اللبنانيين امورا سيادية تتعلق بمصيرهم الوطني كالحرب والسلم والسياسة الخارجية، ويقيم مناطق للامن الذاتي خارجة عن سيادة الدولة، ويؤمن الغطاء الامني والسياسي لاستباحة الاملاك العامة، و. و. و. والوسيلة الى ذلك هو الاكراه، بقوة السلاح احيانا او بالتهديد بقوة السلاح. ان الخروج عن الميثاق والدستور والقانون، وبقوة السلاح، هي اليوم الخطر الاكبر الذي يتهدد لبنان، لأنه بات يستدرج خروجا مماثلا وتسلحا مماثلا لن يكون اقل رأفة بالكيان والدولة.
التحدي الثاني هو غلبة الدور الاقليمي والوظيفة الاستراتيجية لدى البعض على الدور الداخلي والاعتبارات الداخلية والحاجات والضرورات الداخلية، كما في دول الارض. يحق لنا كلبنانيين ان تتفاوت آراؤنا وتطلعاتنا بالنسبة الى الازمة السورية، وانا من اللبنانيين الكثر الذين لا يخفون تعاطفهم مع مطالب الشعب السوري المتعلقة بالحرية والديموقراطية والكرامة الانسانية، لكن لا يحق لأي منا ان يتورط ويورط لبنان في الحرب داخل سوريا وان يفرض على اللبنانيين خيارات تندرج في اطار استراتيجيات اقليمية أكبر بكثير من لبنان. ان هذا الاستتباع الاقليمي الحاد يشكل خطرا كبيرا على لبنان وهو بات يستدرج استتباعا مضادا وتطرفا مضادا قد يصبح اكثر خطورة من الاستتباع الاول والانخراط الاول.
التحدي الثالث هو تحدي الانقسام المذهبي، خصوصا الانقسام والاستقطاب السني-الشيعي، الذي يبقى بنظري كأسلافه (اي الانقسام الطائفي الاسلامي-المسيحي والانقسام الدرزي-المسيحي) انقساما مفتعلا وسياسيا بامتياز، يستند الى وقائع الاجتماع السياسي انما يتغذى من حوافز الصراع على النفوذ والسيطرة والسلطة وليس من الغايات الاصلية للدين او للمذهب، أيا يكن هذا الدين او المذهب. والخطورة ان الاستقطاب السني-الشيعي الراهن، الذي يعمل عليه بشكل ممنهج منذ سنوات، بات السمة الطاغية لبعض الاستراتيجيات الاقليمية لا بل الوقود البشري الرئيسي لتلك الاستراتيجيات، والخطورة المضاعفة ان لبنان بات احدى الساحات الرئيسية لهذا الاستقطاب الذي يهدد في حال انفجاره بالتزامن والتفاعل مع الحرب السورية، مصير لبنان برمته. كما ان احتدام هذا الانقسام يضع الطوائف والمذاهب الاخرى اما مشاريع وخيارات بائسة عفا عنها الزمن ان لم نقل انتحارية، كمشروع "تحالف الاقليات" الذي يحاول دغدغة مشاعر وهواجس المسيحيين، وربما الدروز انطلاقا من تضخيم الاهوال والمآسي التي تفرزها الحرب السورية.
ايها الاصدقاء
ان هذه التحديات والمخاطر داهمة وحقيقية، وخيارنا الوحيد كلبنانيين، مسيحيين ومسلمين، سنة وشيعة ودروز وروم وموارنة ومواطنين عاديين ممن يعتبرون انفسهم خارج القيد الطائفي (وانا بالمناسبة من انصار الدولة المدنية المحايدة بين الاديان، لكن هذا موضوع بحث آخر)، خيارنا الوحيد هو الاعتدال ورفض الانجرار الى العنف والتمسك بالثوابت التي تكفل وجودنا ودولتنا ووحدتنا واستقلالنا، اي الحرية والديموقراطية الحاضنة للتنوع والتعددية. ان الحرب السورية ستنتهي عاجلا ام آجلا، والاستراتيجيات الاقليمية (اكانت نووية او نفطية) ستأخذ طريقها الى الاستيعاب والتطبيع، والسلاح الذي يستخدم في الداخل او في الحروب الخارجية لا بد ان يذهب الى كنف الدولة. وسيبقى لبنان (ان عرفنا ان نحميه من هذه المخاطر والتحديات)، ويبقى الجبل منارة للعيش المشترك والوحدة والتعددية.
******