'شهادات في الاستقلال' في الحركة الثقافية انطلياس: استعراض للواقع منذ 1943 وخوف على المستقبل
صحيفة النهار:
"بالرغم من كل شيء جميلة هي ذكرى الاستقلال هذه السنة". بهذه الكلمات قدّم منير سلامه باسم الحركة الثقافية – انطلياس امس "شهادات في الاستقلال".
ورغم كل شيء، جمعت محاولات الغاء لبنان ومحو استقلاله من وعي الذاكرة، وحزن على الشهداء خص سلامه منه بالذكر الرئيس رفيق الحريري والوزير باسل فليحان والزميل سمير قصير والمناضل جورج حاوي، و"مواطنين آمنين لم يعرفوا مدى لؤم الغدر والحقد". هذا التخصيص جاء من دون ذكر الاسماء، فكان يكفي في ذكرى الاستقلال ان يقال رئيس وزراء ووزير وصحافي ومفكر ومناضل...
الشهادات قدمها ثمانية اشخاص، هم النقباء عاصم سلام وماريو عون ونعمة محفوض والزميل جورج ناصيف ورئيسة المجلس النسائي اللبناني فائقة تركية والفنان اسامة الرحباني والباحث نايل ابو شقرا. وبعضهم، ان لم يكن غالبيتهم، جاؤوا بكلمات ارادوا منها قول كل شيء، او محاولة قول كل شيء.
وجاءت الشهادات لتغوص في الزمن من زمن الكنعانيين، ولبنان ارض كنعان، وما تعرضت له هذه الارض من غزوات (كلمات الرحباني) الى العثمانيين والفرنسيين والسيطرة السورية في لبنان، والتهديد الاسرائيلي للمنطقة...
بداية، تحدث النقيب عون عن تجربته في 7 آب 2001، حين اقتاده رجال الاستخبارات برفقة زملائه في شاحنة عسكرية الى وزارة الدفاع، والتهمة كانت التدبير لمؤامرة على الوطن بغية زعزعة الاستقرار. واكد ان "استقلال لبنان 2005 لم يكن ممكناً لولا تضحيات الشباب المؤمن بالسيادة والحرية والاستقلال والذي كلّف التيار الوطني الحر توقيف 16 الفاً من ناشطيه على مر الاعوام الـ15 الماضية".
ورأى ان استقلال 1943 تحقق بفضل اللبنانيين وتضحياتهم على مذبح الوطن.
وتحدث سلام عن 14 آذار 2005، انتفاضة الاستقلال، وما تحمله من معان كبرى اعادت الى لبنان حريته واستقلاله في تقرير مصيره واخراجه من رواسب الحرب الاهلية الدامية والادارة السلطوية السورية عليه.
وفي المقابل، تحدث عن العلاقة التي تربط لبنان بسوريا، والتي تتحكم بها روابط تاريخية وحضارية وثقافية وتكوينية تعود جذورها الى قرون عدة، فتطرق الى انشاء لبنان الكبير، والاستقلال عام 1943، معتبراً انه "لم يكن في الامكان اتمامه لولا التوافق الدولي والاقليمي حوله ورضا اهله وتضحياتهم بالدخول في هذه المغامرة الاستقلالية".
وقال: "اذا صح القول ان التكوين الوطني اللبناني كان هزيلاً في مقوماته العضوية عند انشائه مما ادى الى مواجهته ازمات حادة في مسيرة استقلاله، فالصحيح ايضاً ان نعترف بأن تغييرات اساسية حصلت في بنيته حصنت تمسك اهله فيه".
لكنه اشار الى بوادر مقلقة لا تبشر بالخير: "فانتفاضة الاستقلال بدأت تهتز يوم 14 آذار بالذات حين اطلق شعار "لا نقول وداعاً لسوريا بل الى اللقاء" من جانب مكونات اساسية في المعارضة.والعيش المشترك الذي تتباهى به اكثرية القيادات السياسية اصبح تكريساً لواقع الفرز الطائفي. والمناصفة في التمثيل هو تكريس للمحاصصة في منافع الدولة واداراتها".
وتحدثت تركية عن نشأة المجلس في بداية النصف الثاني من القرن الماضي، وهدفه رفع الحيف اللاحق" ببنات بلدي ونسائه"، مشددة على اهمية الام، ودليها تخلي اللبناني عن ذكوريته القاتلة ومناداة امه، معتبرة ان التجربة اللبنانية قادت الى مثل هذا التخلي، وما اعطته المرأة وما بذلته من تضحيات من اجل انجاز الاستقلال واخراج المحتلين.
نقيب المعلمين نعمة محفوض تحدث عن احتفالات الاستقلال السابقة التي كان يحتفل بها تلامذته وهو يتساءل معهم "عن أي استقلال يتكلمون؟". واشار الى ما تعرض له مذ كان طالباً في ثانوية حلبا الرسمية (من 1976 الى 1979) على يد السوريين، اذ اقتيد حينها مخفوراً من الثانوية اكثر من 50 مرة.
وطالب محفوض باستقلال عن "كل اللغة الخشبية "القوموية" و"العروبوية"، وعن كل الانظمة الامنية القمعية والعقيمة، عن كل العهر السياسي والفساد الاقتصادي والاجتماعي السابق، عن استباحة الادارة والدولة والمؤسسات". ورأى ان "لا استقلال حقيقياً بمعزل عن قانون انتخاب يدخل الجميع الى الندوة البرلمانية ولا يقصي احداً".
الزميل جورج ناصيف قال: "كان الاحرى بكم، يا اصدقائي، ان تعرجوا على دارته الابدية في باحة كنيسة مارديمتريوس في الاشرفية لتسألوا دم سمير قصير. هناك، ستجمعون، في ضمة واحدة، ورد بيروت وياسمين دمشق وزيتون القدس.
كان الاحرى بكم، يا اصدقائي ، ان تعرجوا على "أوتيل ديو" حيث لا تستشفي مي شدياق بل تشفي من داء الجبن والخرس.
هيا نقتعد الارض، ونرفع اصابعنا بالسؤال في درس القراءة الاولى. كيف، يا معلمي، يا معلمتي، نتهجأ كلمة الاستقلال؟ وسيجيبان: اياكم، اولاً، ان تتلعثموا. فالاستقلال، خلافاً لكل الكلمات، كلمة تنطق دفعة واحدة.
وإياكم، ثانياً، ان تنطقوها، مرة، وتخرسوا. إدأبوا على نطقها نطقكم للشهادتين.
وإياكم، ثالثا، ان تنطقوا بها فرادى. قادة، احزاباً او طوائف، او عشائر، او قصبات. تلفظوا بها مجتمعين. كما الابتهال في صلاة الجماعة، او قداس الاحد.
وإياكم، رابعاً، ان تدخلوا معبد الاستقلال، ان كانت اقدامكم مغلولة بقيود العبيد.
وأياكم، خامساً، ان تهنوا وانتم الاعلون. إياكم ان تخشوا الضباع، فهي جبانة في ضوء النهار. والنهار لا يطلع عفوا، بارادة منه، الا اذا قررتم انتم ان زمن الصبح قد حان".
وتحت عنوان "الاستقلال قيد الانجاز" جاءت كلمة الزميل علي الامين، الذي اعتبر انه منذ عام 1943 ولبنان في عملية مستمرة وبحث دؤوب عن الوحدة الداخلية في سعي مستمر لتحقيق النموذج والمثال لدولة الاستقلال العادلة السيدة والحرة والمستقلة.
ورأى ان "الوحدة الوطنية متلازمة تلازماً كاملاً مع السيادة والاستقلال والحرية. فلا استقلال ولا سيادة ولا حرية في ظل التناحر الداخلي".
واضاف: "كانت انتفاضة الرابع عشر من آذار خطوة نوعية باتجاه الاستقلال، ومشهدا جذابا تجلت فيه ارادة اللبنانيين في الذود عن الحياة الوطنية وتماسكهم في مواجهة مساعي تقويض قيم الوطن السيد والحر. لقد كان المشهد ناقصا كما قال الكثيرون، لكنه نقص لا يثير القلق، لأنه لم يكن في جوهره تعبيرا عن انقسام لبناني".
الى كلمة الفنان اسامة الرحباني الذي استهل مذكرا بالحركة العفوية الشعبية عام 1943، واضاف: "ان الاهوال التي مرت بشعبنا على امتداد التاريخ والقمع الجسدي والفكري خلقت لدينا ثقافة انهزامية ، تتجلى في لاوعينا وفي امثالنا الشعبية. ونتيجة لهذا التهميش الطوعي نشأ اللبناني فرديا مراوغا لا يهتم الا بمصلحته، مسخرا في سبيلها الرشوة والقانون والمؤسسات والدين والمذهب، وقد اتجه بعضهم الى العمل السياسي والنتيجة نعرفها جميعا... وتجسد الولاء للوطن معكوسا. وحين اعطينا استقلالنا اعطيناه باتفاق ضمني بين اقطاع وطوائف ورجال دين، وان العائلات نفسها تقريبا ما زالت تحكم لبنان حتى اليوم (هناك استثناءات حدثت بعد الحرب الاهلية)، وان زعماء هذه العائلات لا يهمهم شكل الحكم وتوجهه يمينيا كان ام يساريا، المهم هو ان تُحفظ لنا الكرسي والمحاصصة الطائفية وعدد ابناء الطائفة في المراكز، دون النظر الى جدارتهم".
واستهل نايل ابو شقرا بقول لجميل معلوف عام 1908 في كتابه "تركيا الجديدة وحقوق الانسان"، وهو: "ان ديانة الوطنية يجب ان تتقدم على كل ديانة اخرى، لأنها واسطة المحافظة على كياننا، وممثلة شرفنا، ومبادئنا، واخلاقنا". وتساءل: "ماذا تغير اليوم؟ وما هي التحولات التي شهدناها في مسيرة الوطن؟ هناك محطات لافتة في تاريخ لبنان المعاصر، اقل ما يقال فيها، انها كانت تجارب لم نتعلم منها، فمن المواقف الطائفية المؤيدة، او المعارضة للحكومة العربية الفيصلية، حول وحدة سوريا، ولبنان الكبير، مرورا بالآثار الطائفية التي خلفها الاحتلال الفرنسي للبنان وثورة جبل الدروز عام 1925، ثم الصراع الطائفي على صيغة الاستقلال المغلف بحكمة كل من قطبي الموارنة والسنة بشارة الخوري، ورياض الصلح، ثم شظايا حلف بغداد وثورة 1958 وموقف بعض الزعامات الطائفية منها، ثم محاولة عزل الموارنة من جانب زعامة الحركة الوطنية، الى الاصطفاف الطائفي حول الثورة الفلسطينية، وصولا الى الحرب الاهلية المأسوية، والتي ذهب بنتيجتها الاف الشهداء، تحت عنوانين اثنين اولهما "الحفاظ على لبنان وطنا سيدا حرا مستقلا، وثانيهما عدم السماح بأن تنحر القومية العربية على عتبة المشرق العربي".
واضاف: "سوريا خرجت من لبنان، ورغم ذلك، هل يصح القول اننا نسير باتجاه الدولة الحديثة، نستشرف استقلالا جديدا...؟ ان الحراك السياسي المبطن بالطائفية لا يشجع على التفاؤل رغم كل التطمينات المقدمة الينا".
للحصول على كلمة الاستاذ عاصم سلام، سحب الملف PDF