هل من معارضة حقيقية في لبنان؟ وماذا تعارض؟ (1 من 2) الديموقراطية والسلطات المنبثقة منها معطلة بفعل الوصاية السورية والتغيير ممكن عبر الاستحقاقات الدستورية المقبلة (تحقيق في صحيفة النهار)
هل هناك معارضة حقيقة في لبنان؟ بالمعنى الكلاسيكي، الجواب قطعاً لا. لسبب بسيط ان الديموقراطية في لبنان لها خصوصية - تماماً كخصوصية لبنان - لا تنطبق عليها المفاهيم العالمية او التقليدية. المشهد سوريالي. اصطفاف، حركات احتجاجية، تحركات، اعتراضات، ومشاكسات... من داخل دائرة الحكم وخارجها. وفي النتيجة يختلط الامر: من هم الموالون وماذا يوالون؟ ومن هم المعارضون وماذا يعارضون؟ هذه البانوراما لواقع المعارضة والموالاة ما مسبباتها والاعتبارات الداخلية والخارجية التي تتحكم فيها، وفي اي خانة يمكن تصنيفها؟
----------------------
تحقيق رلى مخايل
لا بد لمشهد الموالاة والمعارضة ان يستوقف المراقب، لما ينضوي عليه من تناقضات يفرضها الواقع السياسي. فلعبة الموالاة والمعارضة في نظامنا السياسي لها نكهة لبنانية خاصة. لذا نلحظ وجود معارضة موالية وموالاة معارضة ومعارضة اعتراضية ومعارضين على منتصف الطريق بين الموالاة والمعارضة... وقوى حكم متعارضة... فيلتبس الامر الى حد طرح السؤال الآتي: من يؤيد رئيس الحكومة اليوم هو موال او معارض؟! ومن يؤيد رئيس الجمهورية هو موال او معارض؟ وكيف يمكن ان نصف المواقف المتداخلة؟ اسئلة وتساؤلات عدة تطرح في ظل الواقع الحالي.
"اعترض ثم نفذ" او "نفذ ثم اعترض" يصح الوجهان في ممارسات اهل الحكم في لبنان، لانه في النهاية سينفذون ما يطلب اليهم اعترضوا او لم يعترضوا. وفي ظل هذا الواقع، كيف للمعارضة ان تعارض في وقت يلتبس فيه تحديد موقع القرار وهوية الحاكم الذي يمكن ان يتحمل مسؤولية القرار؟! هكذا نعود الى نقطة البداية: هل هناك اسس حكم صحيحة، حتى تصح أسس الموالاة والمعارضة؟ وماذا ينقص لبنان حتى يقترب من المفهوم الكلاسيكي للمعارضة والموالاة؟ ووفق اي مفهوم يسير الحكم؟
آليات النظام البرلماني
اذا كان لبنان هو بلد بنظام برلماني، ينتخب فيه اعضاء مجلس النواب رئيس الجمهورية، فهناك، حسب النمط الكلاسيكي، اربع آليات للتحقيق من ديموقراطية النظام البرلماني:
- اولاً، ان الشعب هو مصدر السلطات، وترجمته العملية ان ينتخب الشعب ممثليه بكل حرية فيتشكل مجلس النواب.
- ثانياً، من مجلس النواب تنبثق حكومة تحظى بتأييد اغلبية اعضائه.
- ثالثاً، النواب الذين لم يمنحوا ثقتهم للحكومة يشكلون معارضة برلمانية. وفي الدول ذات نظام الحزبين، يشكلون حكومة ظل في موازاة الحكومة الاصلية.
- رابعاً، عندما يصبح غالبية النواب في جانب المعارضة تسقط الحكومة بفقدان الثقة.
فهل هذه المراحل الاربعة مطبقة بشكل جيد؟ اليوم في لبنان؟ الدكتور انطوان حداد، امين سر حركة "التجدد الديموقراطي"، يؤكد أن هذه المراحل الاربعة مشوهة في لبنان "حتى لا نقول انها معطلة".
ويبرر ذلك وفق الآتي: أولاً، ان الانتخابات النيابية لا تتم وفق قانون عادل ولا تحت اشراف نزيه ومحايد. والنتيجة، تمثيل غير مكتمل ومنحرف، "اذ ان قوى عدة موجودة لها موقعها لدى الرأي العام وفي الشارع لا تحظى بأي تمثيل نيابي، وقوى اخرى ثانية تحظى بتمثيل اقل من حجمها (العونيون، القوات اللبنانية، قرنة شهوان)، وقوى ثالثة تحظى بتمثيل اكبر من حجمها، وقوى رابعة لا تمثل اي شيء لدى الرأي العام وتحظى بمقاعد نيابية. وبذلك لا يعكس المجلس النيابي صورة البلد الحقيقية انما صورة مشوهة".
ثانياً، ان الحكومة لا تعكس بأمانة موازين مجلس النواب، المنتقص القدرة التمثيلية. "فالحكومة والجميع يعلم، لا تنبثق من مجلس النواب بل تشكلها ارادات عليا وتحديداً السلطات السورية وفقاً لاعتبارات جيواستراتيجية لا تأخذ في الضرورة الاعتبارات اللبنانية. ولنا في الحكومة التي تمثلت في الربيع الماضي خير دليل على ذلك. بعد سقوط بغداد بين ليلة وضحاها استقالت حكومة وتشكلت حكومة جديدة وفق استشارات شكلية كان يعرف الجميع سلفاً اسماء الوزراء الجدد. هذا الواقع يؤدي الى تهميش مجلس النواب برمته، وخصوصاً الاغلبية في مجلس النواب التي يقتصر دورها على تصديق قرارات لا يصنعها المجلس. ومن هنا ظاهرة الاعتراض والممانعة شبه الدائمة لدى نواب الاغلبية ثم التصويت للحكومة عند المفاصل الحاسمة وهذا تعطيل للديموقراطية".
تعطيل المؤسسات الدستورية
مع حال التعثر التي وصلت اليها السلطتان التشريعية والتنفيذية ما هو المخرج الممكن؟ عادة في الانظمة الديموقراطية، بحسب حداد، "ثمة سلطة ثالثة تحول دون تعثر وتجاوز السلطتين المذكورتين عندما لا يعملان جيداً: هي السلطة القضائية. من يسقط عمداً يلجأ الى القضاء، وعندما ترتكب الحكومة تجاوزات يتحرك بعض القضاء... لكن في لبنان تمّ تعطيل ليس فقط دور القضاء في احداث التوازنات، بل غالباً ما يتم تسخير القضاء لتعطيل الديموقراطية". مثال ذلك: ان القضاء الدستوري اسقط نيابة شخص نال الاغلبية ليعين مكانه منافسا نال 2 في المئة من الاصوات. وكذلك يتحرك القضاء الجزائي وفق الرغبات السياسية لترويض المعارضين وملاحقة اصحاب الرأي او من يدلي بتصاريح او يتظاهر...
ويتابع حداد: "ان الديموقراطية تتطلب قبل كل شيء ان تنصاع السلطة الى قواعد اللعبة، اي ان تجري انتخابات نزيهة وتنصاع لنتائج الانتخابات وتقبل بتشكيل حكومة جديدة وفقاً للغالبية الحقيقية التي تشكلت نتيجة الانتخابات. وان ترفع يدها عن القضاء وتتركه يمارس دوره التحكيمي المحايد كي تستقيم الديموقراطية. فاما ان تفعل ذلك مختارة او نصل الى طريق مسدود وتغري قوى عدة بالعمل خارج النظام وخارج قواعد اللعبة. وفي هذه الحال هي التي تتحمّل المسؤولية"، اذ انه من المتعارف عليه ان الديموقراطية تحوي صمامات امان تحول دون الانفجارات والانعطافات الحادة في الحياة السياسية وذلك عبر تفعيل آليات تداول السلطة واحقاق الحق عبر قضاء مستقل ومحايد. ويضيف حداد: "على الدولة ان تفعل ذلك مختارة او تفتح السبيل لوسائل تعبير اخرى".
معارضة: مع او ضد سوريا
ان تشوهات النظام البرلماني في لبنان أفرزت ديموقراطية شوهتها ممارسات الحكم وأهله، واصبح معها الكلام على حكومة ظل وبرنامج حكم وتحالفات فعلية ترسي معارضة على أسس واضحة، ووضع اطر لخطاب سياسي جديد يأخذ في الاعتبار المستجدات في لبنان والمنطقة، امرا غائبا كلياً على ما يقول استاذ القانون الدستوري في الجامعة اليسوعية المحامي ابرهيم نجار. "اذ اننا اليوم في عقم شديد من الناحية الفكرية والسياسية في ظل غياب اطر حزبية بعد الانحطاط الذي اصاب الاحزاب في لبنان".
وفي نظرة بانورامية "من فوق" الى واقع المعارضة والموالاة يرى نجار ان المعارضة في لبنان فئتان: "الفئة الاولى تعارض الوجود السوري، وبالتالي تعارض الذين يستنجدون بهذا الوجود للسعي الى الحكم او الى التحكم في زمام الامور. وانا ارى ان هذه المعارضة هي معارضة حقيقية. والفئة الثانية هي التي تسلّم ليس فقط بالوجود السوري، انما ايضاً بالتحالف مع الحكم السوري فتعارض ايضاً مستنجدة بتحالفاتها السورية، وذلك بهدف تحقيق مكاسب على الصعيد اللبناني".
ويشرح نجار: "اليوم ثمة اربعة مراكز تشكل ثقلاً في الحياة السياسية اللبنانية: حزب الله، وليد جنبلاط، الرئيس رفيق الحريري، والبطريركية المارونية. هذا لا يعني ان الحركة العونية او "القوات اللبنانية" ليستا موجودتين على الارض، انما يعني ان العمل السياسي غير المحظور يتمحور حول هذه الاقطاب الاربعة". ويتابع نجار: "لكن هذا المشهد ليس مبسّطاً، اذ ان الرئيس الحريري يعارض رئاسة الجمهورية ومن يتحالف معها. والنائب وليد جنبلاط يعارض بشكل انتقائي وغير دائم، في حين أن حزب الله لا يهتم بالمسائل الداخلية بشكل واضح، انما يكرس نفسه للمقاومة ضد اسرائيل. ويبقى خطاب بكركي الذي يلتقي حوله اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً وكثيرون ممن يتململون من الاوضاع".
سنة الاستحقاقات
واليوم تجمع الاطراف كلها على ان الاوضاع متردية، الى درجة ان جميع اللبنانيين يجاهرون بان الوضع غير مقبول، وبعبارة اخرى اصبحت المعارضة للواقع المتردي على الصعيد الداخلي لا يختلف عليها اثنان، وخصوصاً ان الحكم اصبح فارغاً من كل معنى. فاليوم، بحسب نجار، يبدو لبنان كسفينة تتجاذبها الامواج ولا تستطيع الاتجاه بشكل مركز "الى درجة ان القطاع الخاص الذي يتميز بفعالية كبيرة بات معطلاً الى حد ما".
وتتزايد يوماً بعد يوم الاصوات المطالبة بتصحيح هذا المشهد كي يستقر النظام السياسي. والهدف الابرز هو الوصول الى مجلس نواب يعكس بأمانة نسبية تركيبة الرأي العام. هذه السنة ستكون حافلة بالاستحقاقات. وقد تكون هناك فرصة سانحة، على ما يقول حداد، "عبر روزنامة متكاملة، تمتد لسنة، اذا احسن استخدامها يمكن الوصول الى مشهد اكثر توازناً بكثير واكثر استقرارا من المشهد الحالي". هذه الاستحقاقات اولها الانتخابات البلدية، التي ستليها انتخابات رئاسية يأمل الجميع في ان تجري وفق الدستور وقاعدته الاساسية اي تداول السلطة. ويضيف حداد: "وعبر هذا الامر يمكن اطلاق اشارة لا لبس فيها حول ضرورة التغيير". ثم تليها حكومة جديدة تحضر لانتخابات نيابية حرة ونزيهة وفق قانون عادل ينبثق منها مجلس نواب ذو صفة تمثيلية مرتفعة.
واذا بدا من تحليل الواقع ان العنصر الجيوسياسي كان الابرز في اضعاف الحياة الديموقراطية، وفرض ظلاله على مبدأ الموالاة والمعارضة، الا ان ذلك لا ينفي ان من اسهم في تفاقم الوضع ايضاً ضعف الثقافة الديموقراطية التي تعطلت اثناء الحرب، ولم تنتعش تماماً بعدها. اضافة الى الاستقطاب الطائفي، وامعان السلطة في تغذيته وتقسيم اللبنانيين وتخويفهم من بعضهم بعضاً بدلاً من تشجيع الحوار ومد الجسور واقامة مساحات تلاقٍ مشتركة.
في ظل الواقع الراهن، ومع تشابك القوى الموالية والقوى المعارضة لم يعد هناك موالاة صحيحة ولا معارضة حقيقية، وخصوصاً في ظل تعطيل دور المؤسسات الراعية لاسس الحكم الديموقراطي. فكان ان تلاقت قوى عدة على مسائل وهموم مشتركة فتشكلت لقاءات وجبهات معارضة عدة. عملياً كيف عكس الواقع المحلي والاقليمي هذه التحالفات المعارضة، وكيف كانت التجربة؟