ندوة الحركة الثقافية - انطلياس حول كتاب'تفكك اوصال الدولة' لفريد الخازن تويني، رزق، كوثراني، وشاوول بين حتميات الحرب وأسرارها: قتال لحساب آخرين تحالفوا موضوعياً ضد اللبنانيين (صحيفة النهار)
تحولت الندوة التي عقدتها الحركة الثقافية - انطلياس مساء الجمعة حول كتاب "تفكك اوصال الدولة في لبنان" (1967-1976) للدكتور فريد الخازن، لقاء فكرياً سياسياً وثقافياً واسعاً حول صيغة النظام اللبناني بأوجهه المتقلبة وبخصوصياته المعقدة داخل النظام العربي العام في واحدة من اعقد مراحله. واذا كان المشاركون قد سلطوا الضوء على تساؤلات كبرى عن كيانية لبنان وازماته في التاريخ المعاصر استدراكاً لمستقبل دولة افضل، لم تغب عنهم محاولة فهم الحتميات التي ادت الى اندلاع شرارة الحرب الاهلية عام 1975 ومقدماتها وما نتج منها، وخصوصا خلال التركيبة اللبنانية التي كان من ابرز سماتها انها تآلف بين مجتمع مفتوح متعدد ونظام ديموقراطي حر نسبياً في عالم عربي تغرق انظمته السياسية في مستنقعات التسلط.
ولعل اهم ما في الندوة انها اطلقت الدعوات مجددا الى كشف المستور من اسرار ازمة لبنان وحربه المدمرة. وهذه بالذات جوهر كتاب الخازن الصادر اخيرا عن "دار النهار للنشر". غير ان الناشر رئيس تحرير "النهار" غسان تويني الذي ادار الندوة، حض المؤلف على كتابة جزء ثان من الكتاب يجيب فيه عن كثير من التساؤلات عبر الغوص في الوثائق والبرقيات الرسمية والسرية، ومنها ما بات معروفاً بالفعل وعلنياً.
واثار المشاركون الدكتور شارل رزق والدكتور وجيه كوثراني والدكتور ملحم شاوول اشكاليات عـدة متعلقة بالكتاب ومنهجه العلمي التحليلي للوقائع والاحداث، مما دفع الحضور، وفيه لفيف واسع من الشخصيات السياسية والثقافية والفكرية والدينية، الى التنبه لمسائل بالغـة الحساسـية، مثـل الرئيس امين الجميل الذي كشـف بعض خلفيات مقدمات الحرب اللبنانية وتداعياتها، وخصوصاً عندما باح بمعلومات عن مراسلات ووثائق لم تكن معروفة من قبل.
وكان بين الحضور الكثيف رغم الطقس العاصف، الى اركان الحركة الثقافية، الاب داود رعيدي ممثلا البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير والنائب منصور البون ورئيس الرابطة المارونية ميشال اده والاباتي بولس نعمان ونواب سابقون ووزراء سابقون وشخصيات حزبية ووجوه ثقافية وفكرية واكاديمية.
النشيد الوطني، فتقديم للامين العام للحركة الثقافية انطوان سيف، ثم ادار الجلسة غسان تويني الذي لفت الى أن "الخازن شدد على ان تفكيك الاوصال لم يحصل بنتيجة الحرب، انما بدأ قبل ذلك بمدة. هذا يشهد بان الدولة اللبنانية عجزت عن شد اوصال المجتمع اللبناني على نحو يجعله قادرا على تشكيل مناعة ضد الحرب ويحول دون تدهور الدولة. ما حال دون التدهور في حرب عام 1958 هو الرخاء الاقتصادي الذي ساد في العهد الشمعوني، وهو كان مصطنعاً كما لاحظ الدكتور الخازن"، ذلك ان "الازدهار الاقتصادي لم يحل دون نشوء فروقات اجتماعية، اي مجتمع فقر الى جانب مجتمع ثراء". واشار الى ان المؤلف "كتب شيئاً مهماً جداً ان الفرق بين حرب عامي 1975 و1976 وما بعدها، انه بعد عام :1976 اصبحت الميليشيات منظمة والمقاتلون "مدربين ويقبضون رواتب للقيام باعمال عسكرية كجنود متفرغين، في حين ان الامور لم تكن كذلك عامي 1975 و1976" حين كان يوجد شيء من "الاندفاع العقائدي الرومنسي. هذه محطة مهمة جدا، والمحطة الاقليمية التي تساويها في الاهمية هي حرب عام ،1982 اي الاجتياح الاسرائيلي حين كان لبنان صار حال حرب بين جنود منظمين: لبنانيون يحاربون من اجل آخرين، لا حروب آخرين في لبنان...". واقترح للمناقشة "ما اذا كانت حرب 1982 المعركة الاخيرة في الحرب الباردة". ووجه سؤالا الى فريد الخازن: "اما حان زمن الغوص في الوثائق والمذكرات وسائر الاسرار للاجابة عن الاسئلة الآتية: من مول من وماذا ولماذا؟ هل استباحة الساحة اللبنانية قضت نهائيا على الكيان اللبناني ام ان بقاء لبنان بحدوده - ولو مستباحة - رغم اجتياحين عسكريين هو دلالة على ان الكيان اللبناني مستمر ولو زال زمن الدولة؟". واستطرد منتقداً من يقول ان "لبنان لم يكن امة في القرن السابع عشر، ذلك ان الدولة - الامة لم تكن موجودة في ذلك القرن عبر العالم"، مستشهداًَ بالمؤرخ الراحل البرت حوراني الذي يقول ان الدولة - الامة لم تشكل في القرن السابع عشر، موضحاً ان "الدولة القومية نشأت في القرن الثامن عشر. وما كان يمكن قبل ذلك ان يكون لبنان الدولة القومية الوحيدة في العالم". وتساءل ايضا في سياق تحفيز المؤلف على كتابة جزء ثان يحاول فيه الاجابة "عما اذا كان اتفاق الطائف محاولة يائسة للترقيع والتغيير ام انه محاولة لصنع باقة زهر جميلة من ورود ذبلت في الحرب؟ كيف ومتى ننشىء نظاماً جديداً؟ إلام نحافظ على المفاهيم العتاق والعقائد الاعتق؟ اين القيادات المستقبلية والرؤى المستقبلية ولماذا لم يفرز المجتمع الاهلي بعد قيادات تبحث عن مستقبل للبنان بغير الوراثة اللبنانية؟".
رزق
واعطى الكلام الى الدكتور شارل رزق الذي اشاد بالمؤلف لاصابته هدفين، الاول "كباحث في التاريخ، قدم لنا سجلا كاملا لاهم المراحل التي مر بها مجتمعنا السياسي... اما الثاني، كباحث في السياسة... وضع مسألة الدولة عندنا في اطارها العلمي الشامل وربطها بمسألة الدولة القومية، مؤكدا ان لبنان ليس دولة قومية، ومتسائلا عما اذا كان دولة متعددة القومية". وقال ان الدولة القومية هي "النموذج الوحيد الذي نمت في اطاره الحداثة السياسية"، اذ انها "وحدها الدولة القائمة على التفاف مواطنيها حول مفهوم جامع للانتماء الوطني، وهي اهل للسيادة والاستقلال. وبالتالي قادرة على ان تنصرف الى تأمين الحريات العامة للمواطنين وحمايتها. الدولة التي تنعم بالوحدة على صعيد الافراد"، معتبراً ان "ما آل اليه ما يسمى بالعولمة يؤكد هذه الحقيقة بقوة... الا ان ما يجري في الساحة الدولية يخالف هذه الصورة الطوباوية... والدور الهزيل للامم المتحدة اليوم يؤكد على العكس تماماً احادية دولة قومية هي الولايات المتحدة (التي) استطاعت بناء قاعدة ذاتية تؤهلها لفرض سيادتها على سائر المجتمعات السياسية". ورأى ان "التوافق على مفهوم الانتماء بين ابناء الوطن الواحد لا يقتصر على العوامل الاتنية او الثقافية او اللغوية او الدينية الموروثة، بل يتجاوزها الى عامل ارادي وعقلاني هو ارادة العيش معاً مهما اختلفت مشاربهم. لذا فان سويسرا التي يختلف مواطنوها اتنياً ودينياً ولغوياً هي، رغم ذلك، دولة قومية بامتياز... كذلك الولايات المتحدة، عصارة شعوب الدنيا، يختلط فيها الابيض بالاسود والمسيحي والمسلم والبودي والهندوسي، تصهرهم رغبة الافادة من نمط الحياة الاميركي". واذ اشار الى تقريري التنمية الانسانية في العالم العربي لعامي 2002 و،2003 اعتبر ان السبب الحقيقي لتخلفه "عائد الى غموض المفهوم القومي عندنا". وتوقف عند نقطتين: "- ان عدم ايلاء المواطن العربي من الخليج الى المحيط، مرورا بلبنان، ولاءه الكامل للدولة التي هو مواطنها... يحرم تلك الدولة في الاساس من الشرعية الديموقراطية التي هي قاعدة الدولة القومية واطار الحريات...
- ثمة دولة قومية واحدة بين الخليج والمحيط هي غير عربية... الا ان الواقعية تفرض الاعتراف بأن اسرائيل، لانها دولة قومية، حققت لمواطنيها اليهود ما لم يستطع العرب، بسبب ضياعهم القومي، انجازه". واضاف ان حقبة الميثاق الوطني هي "التي كاد فيها لبنان ان يصبح دولة مبنية على توافق حضاري، عقلاني بين مواطنين بدأوا يتجاوزون اختلافاتهم الموروثة". وختم ان الدولة في لبنان تفككت على مرحلتين: "كانت المرحلة الاولى في الخمسينات بدخول الجماهير حلبة السياسة طاردة البورجوازيات العربية الواحدة تلو الاخرى... ونال لبنان حصته عام 1958 فأتت تجربة الرئيس ( فؤاد) شهاب محاولة اخيرة لانقاذ الميثاق الوطني وما تبقى من الطبقة السياسية التي حملته عام .1943 اما المرحلة الثانية فهي هزيمة 5 حزيران ،1967 هذا اليوم الطويل الذي لم تنته فصوله حتى اليوم (والذي) طرحت على اثره الثورة الفلسطينية نفسها بديلا من ثورة عبد الناصر المهزومة".
كوثراني
ثم تكلم الدكتور وجيه كوثراني عاكسا ما سماه "تراجيديا قدرية حزينة ومفجعة" في الكتاب "ابطالها وشخصياتها ذاهبون في صراعهم الى حتفهم رغماً عنهم. ومدفوعون بقدر يتمثل في جملة من الحتميات المتقاطعة والمتداخلة والموزعة على اشكال من الدوافع والمصالح المتضاربة، التي تذهب جميعها وباندفاع لا يرد نحو حرب مركبة على ارض لبنان". ونقل من كتاب الخازن استحضاره "ثلاثة مشاهد عربية كان دورها حاسما في الوجود الفلسطيني المسلح وفي عسكرة المجتمع اللبناني، وبالتالي في اندلاع الحرب: الحرب العربية-الاسرائيلية عام ،1967 حرب الاردن بين عامي 1970 و،1971 والحرب العربية - الاسرائيلية عام .1973 فلولا هزيمة عام ...1967 لما قامت الثورة الفلسطينية، ولولا نتائج حرب الاردن على الوجود المسلح فيه لما كان انزياح هذا العمل المسلح في اتجاه لبنان على ذلك المنوال السريع والمكثف، ولولا حرب ...1973 لما سقط الفلسطينيون في شباك لبنان وسقط لبنان في شباكهم". لكنه استدرك "ان هذه المشاهد لم تكن تستدخل في التراجيديا اللبنانية لولا المعطى الآتي: نظام لبنان الديموقراطي ومجتمعه المفتوح: هذا الانفتاح كان الثغرة الوحيدة في حائط النظام العربي السلطوي. اذن (هو) اطار حتمي عام يؤطر الحتميات الداخلية والخارجية وهو الحتمية الاساس: نظام سلطوي عربي مغلق يرمي نتائج ازماته القومية وآثار اعتداءات اسرائيل نحو الحلقة المفتوحة: الحلقة اللبنانية".
وتساءل: "هل مهدت عهود الاستقلال الاولى، او مراحل الميثاق الوطني الاول وسياسات طبقته واجياله لدولة ديموقراطية تستطيع بديموقراطيتها وبخيار مواطنيها، لا بسلطويتها، ان تمنع اختلال الحياة السياسية اللبنانية الناتج عن اي اختراق خارجي محتمل؟ حتى لو كان عربيا او فلسطينيا". ولاحظ ان "الديموقراطية التوافقية والعلاقات الميثاقية بين الطوائف اللبنانية منعت قيام دولة تسلطية احادية، وساهمت في تحقيق ذلك الانفتاح الحضاري والتلاقي الثقافي الذي يشير فريد الخازن اليه في دور لبنان، لكن ما يسكت عنه هو الوجه الآخر للديموقراطية التوافقية اللبنانية: وجه التراضي والمحاصصة واعادة انتاج اشكال الولاء والاستتباع التاريخيين لدى الطبقات السياسية التي تعاقبت على الحكم. وفي الثقافة السياسية التي سادت المجتمع السياسي اللبناني بسبب الممارسة السياسية الزبائنية التي باتت جزءا من النظام السياسي اللبناني... كل هذا يؤدي الى تكوين زعامات للطوائف تنطق باسم هذه الاخيرة كرعية او جمهور زبائن، لا كمواطنين في دولة ديموقراطية حديثة". واذ خالف المؤلف في "سوداويته" حيال مستقبل النظام اللبناني، لانه "لا يمكن تخيل لبنان واحة حرية في صحراء الاستبداد العربي"، اورد احتمالا تاريخياً مختلفاً هو "احتمال التحول الديموقراطي العربي... طوعاً او قسرا"، لان "الثقافة الديموقراطية العربية تشق طريقها في غابة الايديولوجيات الشمولية الدينية والقومية بعدما انتكست لفترة طويلة من الزمن".
شاوول
وكانت الكلمة الاخيرة للدكتور ملحم شاوول الذي اعتبر انه "يستحيل تحليل احادي البعد تفسير مصادر الاستقرار المتعددة الابعاد او اسباب التغير والنزاع في لبنان"، لكنه يستنتج "خيارين تفسيريين للحدث اللبناني: اما التفسير البنيوي واما تفسير السلوكيات على ضوء عوامل ومسارات وتطورات داخلية وخارجية. وقد اختار الخازن المنهج التفسيري الثاني". وقال: "اعتقد ان اصعب ما يشوب هذا المنهج في الكتابة السياسية مهما اعلنت واصرت على علميتها هو اضطرارها الى التوغل بعيدا في الكلام عن الشخصيات السياسية وعن سلوكها السياسي. ان مجتمعنا الضيق المبني على العلاقات المباشرة وعلى التراتب الاجتماعي في السياسة وعلى التمثيل الجماعي من خلال الافراد - الزعماء السياسيين، لا يتحمل تقويم سلوك هؤلاء وهو يعتبر ان التقويم يطال مجمل الجماعة التي تتماهى مع هذا المسؤول. في المقابل لا يمكن هذا المنهج ان يأخذ مجراه الكامل الا من خلال عملية التقييم هذه والحكم على سلوك الشخصيات السياسية، فكيف اذا حملت مسؤولية معينة في عملية انهيار الدولة وتفككها في لبنان. هذا واضح جدا في فصل اتفاق القاهرة... حيث مسؤولية الرئيسين (شارل) حلو و(رشيد) كرامي تبدو في سياق السرد واضحة، فيما يبرأ جزئياً العماد (اميل) البستاني وهو وجد نفسه وحيدا متروكا في القاهرة وتعليماته التوصل الى حل مع الفلسطينيين. فهذا يفتح نقاشاً حول مسألة معرفة الى اي مدى كانت الاحداث اقوى من الممثلين او هل في امكان هؤلاء السيطرة عليها؟" واضاف: "واضح ان عام 1973 كان عام فقدان حرية القرار والقرار. هل في استطاعتنا ان نعتبر انه لولا التحضير الذي كان جاريا بين مصر وسوريا لاطلاق حرب تشرين، لكان عام 1973 عام انطلاق ما سوف يسمى الحرب اللبنانية؟".
واذ شكر الدكتور الخازن للمشاركين مساهماتهم، لفت الى مقاربتين في الكتابة عموما عن لبنان: الاولى ان لبنان دولة محكومة بالفشل والاعدام لان نظامها طائفي، والثانية ان لبنان بلد مثالي جاء من يدمره من الخارج. غير انه اعتمد مقاربة ثالثة ان لبنان مجتمع طائفي منقسم وفيه ايجابيات وسلبيات. ومأزق لبنان التاريخي ان فيه نظاماً سياسياً مختلفاً ومجتمعاً متحركاً ومتنوعاً ومفتوحاً في قلب منطقة توجد فيها انظمة تسلطية استبدادية.
للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF