تجمع لبنان المدني: قرارات اقتصادية ارتجالية، محاصصة في القضاء وزبائنية في التشكيلات الأمنية والعسكرية الارتجال والاستتباع والمحاصصة هي العقدة المخفية وراء زيادة الأجور والتعيينات الإدارية

ثمنت الهيئة التأسيسية لـ"تجمع لبنان المدني" المشاركة النوعية لشخصيات سياسية وإعلامية وفكرية وناشطين مدنيين في احتفال إطلاق وثيقة التجمع السياسية، وشكرت معظم وسائل الإعلام والصحافة على الاهتمام الواسع والتغطية البارزة التي أفردتها لهذا الحدث كما قيمت إيجابا ردود الفعل المرحبة بإعلان التجمع وبحثت سبل إيجاد هيكليات تنظيمية لتطوير عمل التجمع ولإتاحة مشاركة واسعة في مبادرات العمل المدني لأوسع طيف من الشخصيات والفعاليات المدنية اللبنانية.
وأصدرت بعد اجتماع دوري عقدته الهيئة في فندق ميريديان كومودور برئاسة المحامي جميل جبران البيان التالي:
تستمر الأحزاب الطوائفية المهيمنة في سياسة قضم ما تبقى من هيبة الدولة ومن سيادة القانون فيها، وبالتنكر لبناء سياسة خارجية تستجيب لمصالح لبنان العربية والدولية وتمعن في انتهاك حرمة القضاء، وتعبث بموارد البلاد وأرزاق المواطنين ولقمة عيشهم، وتستبيح ما تبقى من مواقع الإدارة العامة والسلك الديبلوماسي والأجهزة الأمنية لتحولها ناديا حصرياً للمحاسيب. وقد بلغت هذه السياسة ذروتها في الآونة الأخيرة في ثلاثة ميادين :
أولا - تتكشف للرأي العام اللبناني، في وقت يحتاج فيه لبنان الى استقلال القضاء وفعاليته، فضيحة مدوية يجري خلالها فتح باب الصفقات لتعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى على قاعدة تبعيته لهذا الزعيم أو ذلك، وتجري المفاضلة بين سنين الخدمات المتبقية لتقاعد هذا أو ذاك، بحيث يجري التعيين لصالح صاحب أطول خدمة لفريقه السياسي. إن "تجمع لبنان المدني"إذ يضع هذه القضية بين يدي وزير العدل الذي عرف نقيبا مدافعا عن استقلالية القضاء يدعو وزير العدل الى الالتزام العلني أمام الرأي العام اللبناني باعتماد مبدأ الكفاءة والاستقلالية والنزاهة أساساً للتعيين واستبعاد أي قاض يتم دعم ترشيحه من قبل أي طرف سياسي. إن شعار استقلال القضاء يعني استقلال القضاة والتبعية تفسد القضاء كما تفسد العدالة.
ثانيا- أما في الشأن المعيشي فقد صدرت قرارات ارتجالية تتنكر لأبسط قواعد الرؤية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والحرص على تحقيق التوازن المطلوب بين الحفاظ على القدرة الشرائية لعموم المواطنين وحقهم الطبيعي بالعيش الكريم وبين تحقيق نمو مستدام ورفع إنتاجية المؤسسات الاقتصادية، أن المطلوب اليوم هو إصلاح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بنية وقانونا وآليات عمل ووقف حالات الهدر فيه، وإيجاد خطة نقل عام شاملة ، وتأمين الكهرباء والماء لكل مواطن لبناني، واعتماد سياسة ضرائبية تصاعدية على الأرباح العقارية والريوع، وفرض الرسوم على مستثمري الأملاك البحرية والنهرية، وخلق استقرار ثابت على المستويات الأمنية والتشريعية والمالية، يؤهل لقيام بيئة أعمال ناجحة تزيد فرص العمل المتاحة وتحقق نموا حقيقيا في قطاعات الاقتصاد المختلفة.
الارتجال والاستتباع والمحاصصة والمصادرة السياسية للحركة النقابية هي العقدة المخفية وراء صفقة زيادة الأجور المبتورة التي أقرتها الحكومة في غسق الليل والتي فاقمت أزمة الناس جميعا، هذه الزيادة التي لم تفك إلا أزمة محاصص في السلطة مع من أعلن إضرابا لا يقوى على تنفيذه، لأنها تميز بين العاملين وتتناقض مع الاتفاقية الدولية رقم 100 التي تنص على المساواة في الأجر والتي وقع عليها لبنان.
هذه العقدة المخفية هي وراء الإنصاف المحق برفع رواتب القضاة، وهي ذاتها وراء إحكام سيطرة قوى الأمر الواقع على مفاصل التعليم الرسمي و الجامعة اللبنانية ووراء التنكر للمطالب المحقة لأساتذة الجامعة اللبنانية وقطاعات التعليم الخاصة والرسمية
ثالثا- إن ممارسات اللادولة والمحاصصة، تمتد من موقع الى موقع ومن إدارة عامة الى سلك ديبلوماسي الى ترقيات وتشكيلات القوى والأجهزة الأمنية الى سلة التعيينات الموعودة، إن مواجهة هذا الجنوح المتمادي في تخريب بنيان الدولة، مهمة وطنية بامتياز وان خلق مبادرات مواطنية للتصدي لهذه الممارسات وفضحها والمطالبة باعتماد الكفاءة والاستقلالية معيارا وحيدا هو الخطوة الأولى في الانحياز لبناء الدولة.
واخيراً، يتوجه "تجمع لبنان المدني" بالتهنئة لشعبي تونس وليبيا، حيث بدأ شعب تونس أول تجربة انتخابات ديموقراطية حرة وشفافة كثمرة للربيع العربي، كما أنجز شعب ليبيا إسقاط نظام الاستبداد بنيانا ورموزا، مما يفتح الطريق في كلا البلدين الى المعركة الأهم والأصعب وهو قيام دولة مدنية ديموقراطية حديثة تعتمد قيم المواطنة وتداول السلطة وسيادة القانون، وبما يؤكد لانتفاضات الشعوب العربية الأخرى في اليمن وسورية والبحرين، أن الحرية والكرامة الإنسانية والحق في مساءلة الحاكم وتغييره هو خيار متاح وممكن، رغم آلام المخاض وعثراته، وهو بطاقة انتساب العرب الى القيم الإنسانية المعاصرة.