تقرير عن اليوم الاول لندوة الخصخصة (صحيفة السفير)
ندوة حركة التجدد الديموقراطي عن 'المرافق العامة والخصخصة والخيارات': المطالبة باستراتيجية موحدة وتساؤلات عن الجدوى والتوقيت والرقابة
صحيفة السفير
حمدان، صادر، حداد، أزعور، ويشوعي في الجلسة الأولى (وائل اللادقي استطاعت حركة التجدد الديمقراطي حشد نخبة واسعة من السياسيين والخبراء في ندوتها عن 'المرافق العامة والخصخصة: أي خيارات للبنان؟' واستطاعت أيضاً أن تفرض نقاشاً ساخناً لم ينجح ممثلو الحكومة بمجاراته فحافظوا في مداخلاتهم وردودهم على الانتقادات على خطاب عام يتناول المفاهيم والخطوات المقررة وجداولها الزمنية من دون أن يرقى إلى مستوى الدفاع عن طريقة العمل الرسمية.
غياب الطرف الرسمي بهذا المعنى أدى إلى الاكثار في طرح الإشكاليات والأسئلة، على حساب السجال المفترض في الاستراتيجيات العامة والتفاصيل، ولكن ذلك لم يمنع من الخروج بالخلاصات الأساسية التي اسفرت عنها مناقشات الجلسات الثلاث من اليوم الأول، وأبرز هذه الخلاصات:
اعتراف ممثلي الحكومة (وهما الأمين العام للهيئة العليا للخصخصة غازي يوسف ومستشار وزير المالية جهاد ازعور) بعدم وجود استراتيجية موحدة للخصخصة، وتذرعهم بصعوبة وضع مثل هذه الاستراتيجية، وإيحاؤهم بأن الأسلوب المعتمد حالياً أي أسلوب المفرق هو أسلوب معهود في تجارب دول أخرى، وهذا ما لم يؤيده الخبراء الآخرون الذين شددوا على المطالبة بمثل هذه الاستراتيجية.
إقرار جميع المشاركين بأن الأسلوب المطروح للخصخصة حالياً يشبه وضع 'العربة قبل الحصان'، وهذا ما ينطبق تحديداً على المسألة الأساسية المرتبطة بالرقابة وهيئاتها، إذ ان غير خبير أشار إلى أن المزايدة لبيع رخصتي الهاتف الخلوي ستجري في حزيران المقبل، في حين أن البحث عن أدوات الرقابة ووسائلها لم يبدأ بعد وهو يتطلب أشهراً عدة تتجاوز موعد حزيران، وهذا لن يمنع تكرار تجربة عقدي الخلوي وتفسيراتهما المتناقضة التي أوصلت إلى النزاع القانوني... وينطبق هذا الواقع على جميع المرافق المعروضة للخصخصة.
ظهر تحذير واضح من أن عرض كل القطاعات للخصخصة دفعة واحدة وفي وقت واحد والإيحاء بأنها كلها ستنفّذ في فترة قصيرة، هو بمثابة الإشارة الأكثر سلبية للمستثمرين المحتملين، وهي إشارة 'طرد' لا 'جذب' كما يعتقد البعض، لأن المستثمرين الذين سيوظفون أموالاً طائلة طمعاً في عوائد مقبولة، لن يكونوا متحمسين لهمروجة توحي ب'الصفقة' ولن يقبلوا الدخول في مخاطرة مرتفعة في هذا الشأن.
إن التوافق السياسي على مشروع الخصخصة ضروري، وان خطوات الخصخصة تحتاج بالضرورة إلى استقرار متين على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، لكي تحقق الأهداف الحقيقية، وطبعاً بعد تحديد هذه الأهداف، فهل يجب البدء بعكس دينامية الدين قبل الخصخصة أم بعدها؟ إذ ان الحصول على ملياري دولار من الخصخصة لن يساهم بتخفيض كلفة خدمة الدين إلا بحوالى 250 مليون دولار، ما يعني أن هناك 2750 مليون دولار ستبقى من هذه الكلفة، وستساهم بدورها في زيادة الدين العام مجدداً في السنة اللاحقة، وهذا يعني أن الخصخصة يجب أن تأتي في سياق برنامج أوسع لمعالجة أزمة، لا أن تكون وسيلة لكسب المزيد من الوقت ويخسر البلد ثروته ثمناً لذلك.
اتفق جميع المشاركين على عدم وجود تقدير موثوق لعائدات الخصخصة، وقال الوزير مروان حمادة إن مرجعاً يقول إنها ستبلغ 10 مليارات دولار، في حين يقول مرجع آخر إنها ستبلغ 5 مليارات دولار، وهناك أصوات خافتة تقول إنها ستبلغ 3 مليارات دولار! وكذلك اتفق الجميع على ان هذه التقديرات هي 'شلف أرقام' إذ ان العائدات تحكمها جملة واسعة من العناصر المرتبطة بالأوضاع العامة والتوقيت والأسلوب وأحوال السوق والتوقعات المستقبلية، كما مرتبطة بمشروع الخصخصة نفسه، إذ ان عرض مؤسسة الاتصالات للبيع كوحدة ستكون بسعر أقل مما لو طرحت كوحدات مختلفة.
انتقاد السلوك السياسي الذي يمنع إضافة أي بعد استقلالي لأي هيئة، وهذا ينطبق على قانون الخصخصة الذي جرى تفريغه من مضامينه ليقتصر على الهيئة العليا للخصخصة، وهي هيئة سياسية غير مستقلة.
بدأت أمس في مقر حركة التجدد الديمقراطي أعمال ندوة 'المرافق العامة والخصخصة' بالتعاون مع مؤسسة جان جوريس الفرنسية. وشارك فيها عدد كبير من العاملين في السياسة والاقتصاد والمؤسسات الاكاديمية والاستشارية، وتقدم الحضور النائب وليد جنبلاط ورئيس الحركة النائب نسيب لحود، ونواب حاليون وسابقون، وناشطون من تيارات مختلفة.
الافتتاح
وألقى النائب لحود كلمة في جلسة الافتتاح حذر فيها من خطر سياسة شراء الوقت والهروب إلى الأمام، إلا للمساهمة في البحث عن حلول شاملة ومتكاملة تحدث قفزة نوعية إيجابية في واقعنا الوطني والاقتصادي والمالي والاجتماعي. وفي هذا الإطار، تقدمنا مؤخراً من السلطة مجتمعة، من الحكومة، ومن المجلس النيابي، ومن الشعب اللبناني بأكمله، باقتراح تفصيلي غايته الانقاذ وتفادي الاصطدام بالحائط المسدود، وعنوانه العريض الإصلاح الشامل وإعادة الهيكلة الشاملة، ووسيلته التشاور والتفاوض بين أطراف المعضلة التي نعيش، والتي تكاد تتحول إلى أزمة مفتوحة، بغية مشاركة وطنية مسؤولة ومن أجل ولوج بداية الحل. هذا جوهر ما اقترحناه مؤخراً، وهذا ما سنواظب على طرحه في الأسابيع والأشهر المقبلة.
وقال إننا في حركة التجدد الديموقراطي نحذر من أن أي عملية لبيع المرافق العامة أو البعض منها لا يمكن أن تكون عملية تجارية بحتة، تلبية لحاجات المدى القصير ونزولاً عند ضرورة سد عجز من هنا وتخفيف دين من هناك.
ورأى لحود أن الخصخصة هي من الاشكاليات التي تضيء تماماً على الترابط والتلازم الحميمين بين الاقتصاد والسياسة. ولهذا السبب اختارت 'حركة التجدد الديمقراطي' أن تضع هذه الإشكالية في أول مواضيع النقاش العام والمفتوح التي تنوي طرحها على العلن، مغتنمة هذه اللحظة لتأكيد بعض الثوابت لديها التي على التجربة اللبنانية أن تلحظها، إذا كان لإعادة النظر في وضعية مرافقنا العامة أن تعطي ثمارها. واعتبر ان انتقال ملكية المرافق العامة من القطاع العام إلى القطاع الخاص ليس إلا حلقة واحدة، مهمة بالطبع، من عملية مركبة وشاملة يتم من خلالها إعادة النظر بدور الدولة، بوظيفتها، بحجمها، وبالتالي بطبيعتها، وذلك في الاقتصاد كما في السياسة. ولا تنفصل هذه العملية عن حلقات أخرى كالاصلاح الاقتصادي الشامل وإعادة هيكلة البنى الإنتاجية والتوزيعية، كما لا تنفصل عن حلقة الإصلاح الإداري وتحديث أجهزة الإدارة العامة والدولة برمتها، كل ذلك في إطار واضح من الإصلاح السياسي الشامل ومناخ من الوفاق الوطني الراسخ. كما أن للخصخصة آليات وشروطاً وظروفاً ملائمة، من دونها مخاطر جمة، ليس أقلها التفريط بدور الحامي للمجتمع الذي يجب ان تضطلع به الدولة. فالمرفق العام يؤمن خدمة حيوية ل'المواطن المكلف'. وعليه إذاًً، مع الخصخصة والانتقال إلى نظام السوق، تأمين استمرار هذه الخدمة 'للمواطن المستهلك'، من دون التفريط بحق هذا المواطن في الحصول على الخدمة نفسها، بأحسن جودة ممكنة، وبكلفة فردية وجماعية تتلاءم مع إمكانيات المجتمع. وفي الإطار نفسه، على عملية الانتقال من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة أن تتفادى وقوع المرفق العام المعني في قبضة الاحتكار، الذي يزيد من خطره، في دول العالم الثالث، اقتران السلطة السياسية بملكية المرفق المعني. فإن كانت الخصخصة خطوة نحو تخفيض حجم الدولة في الدورة الاقتصادية، فهي لا يجب ان 'تعني إطلاقاً انتفاء دور الدولة في السهر، إلى شروط المنافسة، وتحصين الشفافية، وابتكار الأطر التشريعية والمؤسساتية لضمان حق المواطن في الحصول على خدمته العامة بأفضل الشروط'.
وشدد على ضرورة أن يؤخذ في الاعتبار توقيت عملية الخصخصة والظروف التي تمر فيها الأسواق الدولية وأسعار أسهم القطاعات المعنية وانعكاسها الحتمي على العائدات المفترضة لعمليات الخصخصة، كل ذلك كي نضمن ألا يضحى بمرافقنا الوطنية بأثمان زهيدة سعياً وراء سراب مالي ظرفي سرعان ما يتبدد دون أن يسهم جذياً في التصحيح المالي المنشود.
وألقى رئيس الهيئة العليا للمرفق العام للبريد والاتصالات النائب الفرنسي جان غويار كلمة أشار في مستهلها إلى 'ان مشاريع الخصخصة كانت بين عامي 1966 و1997 في صلب الصراع السياسي الفرنسي. واليوم يمكن للحكومة أن تقرر في صلب الحملة الانتخابية خصخصة إحدى شركات النقل العام بقيمة 4 مليارات يورو من دون أن تثير جدلاً. لقد تحول الصراع حول مقاييس الخصخصة الناجحة بعدما ادرك الجميع فشل مشاريع التأمين عام 1981 والخصخصة عام 1986 التي تم اقرارها من منطلقات ايديولوجية. وفي النهاية فإن حكومة ليونيل جوسبان قامت خلال 5 سنوات بمشاريع خصخصة أكثر مما قام أسلافها من تيار اليمين. وفي صورة إجمالية فإن الدولة الفرنسية هي التي ربحت. واليوم، في مناخ مسترخ، يمكننا طرح مجموعة أسئلة بشأن كل مؤسسة عامة. إن الخصخصة مبررة إذا كانت تساهم في تحديث البلد، وتحسن التوازن في المصاريف العامة. وقال إن المؤسسات العامة تخدم مواطني البلد، والخصخصة لا ينبغي أن تعني تراجعاً في الخدمة العامة. ويجب ان يكون من أول شروطها تأمين التغطية الشاملة لكل المناطق واحترام المنافسة. وإذا كان ضرورياً ينبغي تشكيل هيئة تنظيمية لضمان المنافسة ومستوى الأسعار كما يمكن للمؤسسة التي يتم تخصيصها وفي دفتر المصاريف تأمين مبلغ للخدمة العامة التي تؤمن خدمة متواضعة للفقراء والمعزولين.
الاقتصاد الكلي
ترأس الجلسة الأولى الدكتور أنطوان حداد (خبير اقتصادي وأمين سر حركة التجدد الديموقراطي) وحملت عنوان: 'الإطار الماكرو اقتصادي للخصخصة في لبنان: لماذا الخصخصة؟ في أي ظروف؟ الانتظارات، التحديات، الطاقات الكامنة، المعيقات'.
أول المتكلمين كان الدكتور جهاد أزعور، مستشار وزير المالية الذي وضع آليات الخصخصة ضمن حزمة متكاملة من التدابير كالإصلاح الضرائبي وتقليص حجم الإنفاق والشروع في الإصلاح الإداري. ورأى خمسة أهداف أساسية للخصخصة هي تحسين الأداء والفاعلية، تشجيع الاستثمار، تحسين المالية العامة، توفير طاقات معطلة اليوم، إبعاد المداخلات السياسية. ويجب تقييم نتائج العملية على قاعدة الأهداف المذكورة. ورأى أن من الصعب تحديد نتائج الخصخصة على المستوى الماكرو اقتصادي بسبب تداخل عوامل عدة، غير أن المساهمة الأساسية تبقى في إطفاء جزء من الدين العام وفي خفض الفوائد، وفي تحسين رسملة الأسواق المالية، وفي تحديث الإدارة، وفي خفض معدلات البطالة على الأمد المتوسط والطويل.
وتكلم الدكتور مكرم صادر، الأمين العام لجمعية مصارف لبنان، الذي رأى الديناميكية الوحيدة حاليا في المشهد الاقتصادي هي ديناميكية الدين العام، واعتبر أن هذا الرقم هو السبب الحقيقي الذي يجعل الفوائد تزداد مع المخاطر. ورأى أن الاستقرار النقدي ليس أصل العلة، لكن ممارسات الدولة من جهة وإنفاق الأسر والمؤسسات المضخم، من جهة أخرى، هو الذي بدد إيجابيات السياسة النقدية. ولفت الى أن حجم الاستيراد جعل نسبة الصادرات تنخفض ما أدى الى ازدياد الانكشاف. وشرح أن هناك حدودا لتمويل عجز مستمر وبنيوي بواسطة استيراد رساميل قصيرة الأمد. ورأى أن الاحتمالات ستبقى تتأرجح بين فوائد أكبر أو استخدام جزء من الاحتياطي الأجنبي، وأبدى توقعات متشائمة عن إمكانية استقطاب رساميل كافية، إن من الدول النفطية أو من الدول المتطورة.
وتبعه الدكتور كمال حمدان، الخبير الاقتصادي الذي استهل مداخلته بملاحظة نظرية مفادها أن النقاش ليس محسوما على الصعيد العالمي حول ما إذا كانت الفعالية الاقتصادية تزداد فعلا مع نقل الملكية من العام الى الخاص. ورأى في عجزنا عن إصلاح الإدارة خلال كل العقود الماضية وفي صعوبة إنجاز صيغة وتطوير المرافق العامة أسبابا لتبرير عملية الخصخصة في الإطار اللبناني، وطالب بالتركيز على الدفاع عن الفئات الفقيرة والمتوسطة من خلال خط أحمر يشمل الصحة والتعليم، والى حد ما النقل. وختم بما سماه الأسئلة الصعبة: هل نخصخص قبل الإصلاح السياسي؟ هل نخصخص قبل إعادة الهيكلة؟ هل نخصخص قبل معالجة تشويه الأسعار؟ وهل نخصخص قبل أن نتأكد من أننا بدأنا كسر ديناميكية الدين العام؟ وأخيرا، إذا كانت الأزمة واقعة لا محال، هل نخصخص قبل أو بعد انفجار الأزمة؟ وختم حمدان بالقول إن المعركة الأساسية تكمن في شكل الخصخصة الذي سنعتمده، ووفقا لأي دفتر شروط، وأية رقابة، وما هو دور الدولة في ذلك.
وتكلم الخبير الدكتور إيلي يشوعي الذي اعتبر أن الخصخصة لن تصحح المالية العامة وبالتالي لن تعالج الأزمة. وقرر عدم مقاربة ما سماه بالثبوب التي تشمل الهدر والوضع الإداري وسياسة القطع، للتركيز على ما سماه العيوب في السياسات الماكرو اقتصادية. وطالب بسياسة حماية منطقية ومقبولة لحماية أسواقنا من السلع الإغراقية. وتساءل: أي نمو ممكن إذا تخلينا عن حماية الاستثمارات المنتجة والصادرات. وتطرق الى السياسة النقدية التي كبرت المخاطر لأنها اختزلت بسعر صرف الليرة. وقال إن على الاقتصاد الحقيقي أن يحدد سعر الصرف وسعر الفوائد، ورأى أن الإرادوية هي ما تفعله السياسة الحكومية، وما دامت هناك سياسة إرادوية قائمة، فلدينا الحق في أن نطمح بسياسة إرادوية بديلة. وختم مطالبا بتأجيل صرف الموظفين الى ما بعد انطلاقة الاقتصاد.
للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF