إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
أخبار التجدد/

كلمة النائب مصباح الاحدب في جلسة مناقشة موازنة 2003

دولة الرئيس، أيّها الزملاء الكرام،
يقف لبنان أمام مشهدين متمايزين، يبدو كل واحد منهما آتيا من عالم مختلف: من جهة، تعد الحكومة للمرة العاشرة بأننا على طريق الخلاص إذا التزم الشعب اللبناني بوصفاتها المالية، ومن جهة أخرى، يشعر المواطنون كل مرة بأنهم يتحكّمون بمصيرهم بصورة أقل، وبأن العيش الكريم يتحول سنة بعد اخرى الى مهمة شاقة كي لا نقول مستحيلة.
كيف وصلنا الى هذه الصورة المتناقضة؟ السبب الأول يعود الى التفرد، التفرد الذي ميّز السياسات الإقتصادية المتّبعة منذ أكثر من عقد، هذه السياسات التي يصر على إنتهاج طريق في إتجاه واحد: التثبيت المالي بأية كلفة وأيّا تكن النتائج الأخرى. اليوم، الإقتصاد مرهون لهذا المعطى، مكبّل بعنكبوت المضاربة المالية الذي إلتفّ حول عنق الإقتصاد بأكمله.  وتقول الفذلكة بوضوح أن أيّة نفقة إستثمارية ممنوعة، إلا إذا أتت من قروض خارجية. معنى ذلك، أن النفقات الإستثمارية صارت رهنا بالقروض الخارجية. وما الذي يحدث بعد ذلك إن تعثرت تلك القروض الاجنبية لأي سبب مرتبط بالوضع الإقليمي أو العالمي المتفجر؟
إن إنفلات كلفة الدين جعل السياسة الإقتصادية تسلك طريق تحويل الدين بالليرة اللبنانية الى ديون بالعملات الصعبة. مباشرة أو مداورة، أخذ هذا المنحى يتسارع سنة بعد سنة في محاولة يائسة للسيطرة على كلفة الدين الذي تراكم من دون حسبان. وبعد أن كان الدين الخارجي خلال سنوات طويلة يمثل اقل من ربع مجموع الدين العام، أصبح يناهز اليوم نصفه، وإذا أقرّ مجلسنا الكريم طلب الحكومة بإستبدال ما يوازي 4 مليارات من الدولارات، قد تنقلب هيكلية الدين رأسا على عقب وتصل هذه النسبة الى ثلاثة أرباعه، بعكس الإلتزامات التي قطعها رئيس الحكومة أمام مجلس النواب.
هذان الأمران يدلان ببساطة كم  فقدت الدولة قدرتها على صياغة سياسة إقتصادية متوازنة، نتيجة إرتهانها  لسياسة نقدية مجردة من اية ابعاد تنموية انتاجية، وكم أخذ ينحسر موقع لبنان في إقتصاد المنطقة وحصته من أسواقها. ولا تغيّر كثيرا كفاءة أداء المصرف المركزي في الإلتفاف على الإستحقاقات الداهمة أو في تأجيلها، لأن هذه الكفاءة تعني أيضا التخلي التدريجي عن الأدوات التي من المفترض أن تحتفظ بها أي دولة إذا هبّت الرياح الإقليمية مع تداعياتها الإقتصادية على منطقتنا، وهو إحتمال لا يستطيع أحد في عالم اليوم - للأسف- أن يطمئن الى عدم حصوله.

يشعر المواطنون أن الإنكماش الإقتصادي يترسخ يوما بعد يوم، وأن إستعادة النمو -وهي بذاتها غاية لأي سياسة إقتصادية- قد تحولت هدفا صعب المنال، مؤجلا الى مواسم أخرى، وبات مجرد عنوان تتكلم عنه الفذلكة من باب رفع العتب لا أكثر. من المفيد إستعادة فذلكات موازنات التسعينات لنكتشف كم تراجع موضوع النمو في أدبيّات المسؤولين. إن هذا الإقلال أو 'التقشف' المستجد في التكلم عن النمو يدلّ أكثر من أي مقياس آخر عن فشل السياسة الإقتصادية الأحادية المتبعة في هذا البلد منذ أكثر من عقد. بموازاة هذا الواقع المرير، من أين ينتظر المجتمع الفرج؟ لقد أصبح هذا الأخير، بقطاعاته المنتجة وطبقاته الوسطى، كما اصحاب الدخل المحدود، مناطق نائية في صحراء الإنكماش. يا دولة الرئيس، مضت أيام البطر وحلت أيام الطفر. في أيام البطر التي خلت لم يلتفت المسؤولون  الى قطاعات الأنتاج وتنمية المناطق بل امعنوا في اهمالها وجعلها نائية عن اولوياتهم، هل يلتفتون إليها اليوم في أيام الطفر؟ إسمحوا لنا بأن نشكك في حدوث صحوة الضمير هذه: وسيطول إتتظار مناطق عكار والضنيّة وطرابلس وجرود جبيل والبترون وبشري ومناطق البقاع ومن ثم أقضية الجنوب المحررة، سيطول انتظارها للقروض الخارجيّة، كل ذلك طبعا على أمل ألا تندلع الحرب على العراق.

كلمة مقتضبة عن واقع طرابلس: في الصراع بين تقليد يريد دائما إحتكار المرجعية وزعامة مستجدة تتبوأ المواقع لترسخ خطاها، تضيع مصالح عاصمة الشمال بين تقاسم المنافع والنفوذ، والكل يتجاهل حقوقها ويساهم  في منع الإنماء عنها. أبناء طرابلس أقرب الى اليأس اليوم بسبب كثرة الوعود وضآلة تحقيقها: كل شكوى يطلقها المواطن الطرابلسي محقة وكل أنين صادق. أيّا يكن، لا يهمني، ولا يهم المواطن الطرابلسي على يد من تصل المشاريع المنتجة الى الفيحاء، المهم أن تصل... منذ ثلاثة اشهر، عقد في السرايا الحكومي مؤتمر لانماء طرابلس. وسمعنا كلاما جيدا حول الموضوع، فيما طالب رئيس الحكومة بمهلة ستة اشهر للمتابعة والتقييم. نحن سننتظر الثلاثة اشهر المتبقية من المهلة. لكن، حتى تاريخه، لم نسمع بآلية للتنفيذ، او بجدول زمني لذلك. قلنا حينها ونكرر اليوم، اهم من البنى التحتية والخدماتية، نريد تفعيل الدور الاقتصادي لطرابلس، نريد حوافز حقيقية لتشجيع الاستثمار ولخلق وظائف وفرص عمل جديدة لمدينتنا وابنائها. وهذا الكلام لا يعني طرابلس حصرا: إذا أنطلقت طرابلس وازدهرت طرابلس، انطلق الشمال بأسره ونما الشمال بأسره. اما إذا بقيت طرابلس على حالها من الركود والتراجع، نخشى من كارثة تلحق الأذى بكل أقضية الشمال.
اما الكلام عن الضنية يا دولة الرئيس، فهو يستدعي ملاحظة من نوع أخر: الضنية ليست تهمة تلصق في مناسبة كل جريمة عادية. إنها إسم لقضاء عزيز من أقضية لبنان، إنها أناس يعملون في ظروف صعبة لتأمين لقمة عيش شريفة لأولادهم، أنها ضياع وبلدات تستحق أن تنمو وتتطور. الضنية ليست أفغانستان، إلا من حيث حرمانها من البنى التحتية. نتفهم رغبة معالي وزير الداخلية في اللعب على طاولة الكبار ولكن ليس على حساب أهلنا في الضنية، ولا على حساب القوانين. والقانون لا يخول وزير الداخلية إستدعاء القاضي، ولا الإستماع الى إفادات المتهمين، ولا يخوله استباق نتائج التحقيق بحثا عن دور مرتجى في ظل العولمة الأمنية.

 دولة الرئيس، لقد رحّبنا بالتسهيلات المالية التي وفّرها المجتمع الدولي للبنان، من خلال مؤتمر باريس-2 ، بغية مساعدته للخروج من المأزق الذي أوقعته فيه سياسة الحكومات المتعاقبة، ولكننا لا نقبل بأن يتحول باريس-2 الى ذريعة للإستمرار بنفس السياسة وبتعميقها. حان الوقت بأن تتوزع أوزار الأزمة بحد أدنى من العدالة وأن تطلب التضحيات من كل فئة اجتماعية حسب قدرتها المالية. رحبنا ونرحب بالتسهيلات المالية التي وفرّها النظام المصرفي لمالية الدولة. ولكن القطاع المصرفي الذي نعوّل على نجاحه في كل وقت، مطلوب منه الا يحوّل التسهيلات التي اعطاها للدولة مناسبة لزيادة ارباحه على حساب المودعين كما هي الحال حتى اليوم. ولذلك لا بد من تخفيض الفائدة على التسليفات وإطالة آجال الإستحقاقات لتحفيز القطاعات الإنتاجية وزيادة النمو.
لقد قررت الحكومة إقتطاع 5 % من فوائد الحسابات المصرفية. نؤيد هذه الخطوة من مبدأ تقاسم التضحيات مع أن الحسابات المصرفية تغطّي حالات متمايزة جدا. هناك أناس متقاعدون يعتمدون عليها للعيش بعد حياة من الكدّ. من هنا، نرى أنه كان من المنطق أولا ومن العدل ثانيا أن تفرض أيضا هذه الضريبة على فوائد سندات الخزينة.
وفق المنطق نفسه والعدالة نفسها، وصونا لعرق العاملين ومدخراتهم، متى تتيح الدولة للضمان الإجتماعي، نفس الضمانات التي تتمتع بها المصارف بتنويع طبيعة محفظاتها المالية ضد المخاطر؟
أيضا، ألم يحن الوقت لكي تنكب الحكومة على إسترجاع حقوق الدولة -والمواطن!- من الأملاك البحرية التي نتكلم عنها سنة بعد سنة في فذلكات الموازنة وتبقى حبرا على ورق، ويبقى الإستيلاء على الأملاك العامة جهارا نهارا. ايضا وايضا، منذ سنوات ويتكرر امام اعيننا وفي الصحف كلام كبير عن فضائح التخابر الدولي والصحون اللاقطة، واحاديث عن مئات المليارات الضائعة على دروب الهدر والاختلاس. اين الحقيقة؟ متى تعود للارقام صدقيتها؟ يبدو أن الحكومة تخشى التصدي لمصالح 'الحيتان'، ولا تتجرأ إلا على المواطنين العاديين.
 
دولة الرئيس، يلقننا المسؤولون طوال النهار دروسا عن ضرورة الوفاء بالإلتزامات التي قطعها لبنان في باريس-2، لكنهم لا يحدثوننا إذا كانت هذه الإلتزامات تشمل الكف عن مناكفاتهم اليومية وحروبهم الصغيرة التي تلحق أذى فادحا بصورة الدولة وبإستقرارها المالي؟ صارت الحياة السياسية تناوبا مريرا بين مشهدين: مشهد للوفاق من أجل تمرير صفقات المنافع، وآخر للصراع بغية تعزيز المواقع. وفي كلا الحالين، يزداد نزف لبنان من إقتصاده ومناعته السياسية وتماسك مجتمعه ووحدته الوطنية وسمعته الدولية. ان ما يجري اليوم ليس صراعا حول تفسير الدستور والصلاحيات المناطة بكل موقع، فالنصوص واضحة لمن يريد أن يلتزم بها، ومسؤولية دعوة مجلس الوزراء مناطة برئيس الحكومة. ما يجري اليوم ليس إلا إستكمالا لنهج قمعي تم التغاضي عنه، هدفه القضاء على حيوية المجتمع، وقمع الحريات العامة: حرية التظاهر وحرية التعبير، وضرب الحياة النقابية وتطويع الأحزاب السياسية وتقييد المؤسسات الإعلامية وصولا الى إقفال بعضها وتعطيل إرادة الناس وحقهم في الإنتخاب. أيّام القحل تلك أورثت هذا الكم الهائل من الوحل، فهل يكون ما وصلنا إليه اليوم مناسبة لأخذ العبر والدروس، وللعودة الى تطبيق الدستور والقوانين؟  
مع إقرار هذه الموازنة، سيفتتح لبنان موسم الخصخصة. وللخصخصة في العالم منذ عقدين تجارب منها ناجحة وأخرى فاشلة يجب الإستلهام منها. نحن في حركة التجدد الديموقراطي، لا ننطلق من موقف عقائدي من الخصخصة. لسنا ضدها بالمطلق ولسنا معها بالمطلق. النموذج المقبول للخصخصة هو الذي يؤمن في كل قطاع المبادىء الأربعة التالية:
أولا- حق المواطن في الحصول على الخدمة نفسها بأحسن جودة وبكلفة عادلة؛
ثانيا- تجنب وقوع المرفق العام في قبضة الإحتكار أو في تضارب المصالح؛
ثالثا- العناية بالآثار الإجتماعية للخصخصة التي ستطال الموظفين؛
رابعا- الأخذ في عين الإعتبار ظروف الأسواق وإنعكاسها على العائدات المفترضة.
ان ما عرفناه حتى اليوم في لبنان لا يمت بصلة الى هذا النموذج. ما رأيناه من خصخصة القطاع الإعلامي ومن القطاع الخليوي لا يبشّر بالخير. خصخصة القطاع المرئي والمسموع تحولت الى حصحصة سياسية تقاسم فيها المسؤولون القطاع فتملكوا تلفزيونات وإذاعات، وعندما حاولت إحدى المؤسسات أن تتحرر من 'عرّابها'، حصل ما حصل...
وفي القطاع الخليوي، لدينا نموذج آخر عن إخلال الدولة بأبسط واجباتها: يتبين اليوم كم أن العقود المبرمة مع الشركات - كما حذر الزميل نسيب لحود عند إقرارها - كانت مجحفة بحق الدولة، ولم تحم المستهلك اللبناني ولم تمنع تشكيل الإحتكار وتقاسم السوق بعيدا عن أية منافسة شريفة.

دولة الرئيس، كل تداخل أو تقاطع بين حاملي أسهم المرافق التي ستخصخص وأصحاب القرار السياسي يعتبر في الدول الحديثة تضارب مصالح يحظره القانون. وبناء على ذلك، على كل من يحمل الصفتين معا أن يختار أو أن يجبره القانون على الإختيار. لقد آن الاوان ايها الزملاء لتطبيق مبدأ تمانع الصلاحيات والمصالح. ففي حال الازدواج، تفقد الصلاحية شرعيتها، وتصبح بكل وضوح جريمة صرف نفوذ او اثراء غير مشروع. بكلمات اخرى، لا يجوز أن تتحول السلطة في لبنان معبرا للمال، وهو النموذج السائد في الدول المتخلفة والإستبدادية. عندما وضع المشترع قانون الإثراء غير المشروع، كان الإثراء غير المشروع سرّيا وملتويا، فيما أصبح اليوم علنيّا ونكاد نقول إحتفاليّا. إذا ترسّخ هذا النهج في حياتنا العامة، ولم ننجح في وضع الضوابط الضرورية لكبحه، نخشى أن تتحول الخصخصة الى كارثة لكل المواطنين ونعمة لقلة قليلة من النافذين.

ختاما يا دولة الرئيس، وباختصار، نحن نرى في الموازنة الحالية تطورات ايجابية محدودة، بالترافق مع سلبيات مستقرة ومتفاقمة. والموضوعية والمصلحة العامة تقتضيان الاشارة الى الايجابيات والتنويه بها، كلما حصلت، فكم بالاحرى عندما تكون هذه الايجابيات جزءا من مطالبنا المزمنة منذ سنوات. لكن كفة السلبيات ما زالت تطغى بقوة على كفة الايجابيات ونخشى حتى ان تلتهمها. لذلك، لا يسعنا في حركة التجدد الديموقراطي، زميلي نسيب لحود وانا، سوى التصويت ضد هذه الموازنة.
وشكرا.

← العودة إلى أخبار التجدد