مقاربتات معارضتان حسب نصير الاسعد (صحيفة السفير)
الحسيني يناقش الإجراءات الحكومية داعياً إلى «خطة» متكاملة مشككاً بـ «مصداقية» الحكومة مقاربتان معارضتان تكشفان الخلافات و'التجدد الديموقراطي' وحلفاؤها يطالبون بالخروج من 'الدائرة الاقتصادية' البحتة الى 'الدائرة السياسية' الاوسع
صحيفة السفير - نصير الاسعد
الحسيني: المصداقية مفقودة في الحكومة يروي الرئيس السابق للمجلس النيابي حسين الحسيني ان تجربة حصلت في مجلس النواب عام 1988 'أفهمتنا آنذاك ماذا يعني التمثيل التجاري' و'أفهمتنا أن المسألة، مسألة مكافحة الاحتكار وتحقيق المنافسة، لا تعالج بتدبير وحيد بل هي تحتاج الى عملية متكاملة'.
في التجربة التي يحكي عنها الرئيس الحسيني، ان مبادرة انطلقت منه ومن عدد من النواب، تهدف الى ضمان استقرار الأسعار على الرغم من الهبوط شبه اليومي لسعر صرف الليرة آنذاك، قضت (المبادرة) بالسعي الى تحقيق 'توازن بواسطة القطاع التعاوني عبر دعمه بقروض، بفوائد منخفضة، لتمكينه من استيراد المواد الضرورية، لا سيما الغذائية منها، فيحصل عندئذ تنافس في عرض الأسعار وتوازن في الأسعار بين القطاعين الخاص والتعاوني'.
ويضيف الحسيني أنه تم في العام 1988 رصد ثلاثة مليارات ليرة قروضا للتعاونيات و'قلنا لهذه التعاونيات ان استوردي'. وهنا يقول الحسيني 'اصطدمنا بالتمثيل التجاري بموجب القانون الصادر عام 67 والمعدل بقانون عام 1975'. ويشرح ان قانون التمثيل التجاري يقول ان التمثيل التجاري لا يسري على المواد الغذائية باستثناء المواد ذات الاستعمال الخاص التي تحدد بواسطة لجنة وبمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء'. اصطدمت التعاونيات اذاً بأن تحديد معنى 'المواد ذات الاستعمال الخاص' لم يحصل لان اللجنة المحددة بقانون 1975 لم تتشكل والمرسوم لم يصدر في مجلس الوزراء.
على هذا الأساس 'وضعنا نص اقتراح قانون وقّعه النائبان ألبير منصور وزكي مزبودي افترضنا اننا نستطيع بواسطته إلغاء مصطلح الاستعمال الخاص'. وانعقدت جلسة نيابية في 26 أيار 1988 دار خلالها نقاش نيابي أظهر ان المسألة 'أخطر مما كنا نتصور فأجّلنا البت باقتراح القانون وطلبنا من الحكومة تشكيل اللجنة وإصدار المرسوم'.
ويخلص الحسيني من ذلك الى ان التجربة عام 1988 عرّفتني الى حقيقة ان المسألة لا تعالج بتدبير وحيد بل هي تحتاج الى عملية كاملة.
'النظام الليبرالي'
ويلفت الى وجود مراسيم اشتراعية أعدها الوزير المرحوم سعيد حمادة عام 67 تتعلق بمكافحة الاحتكار 'المتناقض جوهريا مع مفهوم الاقتصاد الحر الذي يعني المنافسة'، ويؤكد ان المرسوم الاشتراعي رقم 32 الصادر بتاريخ 5 آب 1967 يتضمن مكافحة الاحتكار والغلاء والاغراق، معرّفا الاحتكار، ويحدد عقوبات تطال الاحتكار والمحتكرين.
من التجربة اذا، يقول الحسيني اولا بإعادة الاعتبار للقوانين القائمة في مجال مكافحة الاحتكار وتفعيلها وربما صوغ قانون جديد متلائم مع الظروف. ويرى ان المسألة تحتاج ثانيا الى 'خطة' مفضية الى تحقيق النتائج المرجوة بحيث 'لا يتمكن أي متضرر مستتر من مواجهة هذه الخطوات'، مشددا على انه 'من الضروري معالجة غلاء السلع وضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار وتحقيق المنافسة لكن ما هي الخطة التي تضعها الحكومة?'.
ويعتبر ان الموضوع 'يتعلق بالمصداقية في حين انه منذ العام 1993 لا شيء يثبت ان ليرة واحدة صرفت للصالح العام'. هذا ثالثا. أما رابعا، فثمة حاجة ماسة برأي 'السيّد' الى 'ادارة رقابة وضمانات في السوق لمنع الاحتكار'. ويقول ان الضمانات 'تتصل بهيبة الدولة بقدرتها على المحاسبة وبقيام القضاء المستقل... والا يغدو الموضوع استنسابيا'، وان من الضمانات ايضا 'بقاء القطاع التعاوني الشرط اللازم لضبط السوق'. وينسُب ذلك كله الى فكرة ميثاقية دستورية، ف'النظام الليبرالي ليس المتفلت، لان النظام القائم على الاقتصاد الحر مقيّد بموجبات تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية بين اللبنانيين وهذه نقطة أساسية في الدستور'.
خلاصة القول ان الحسيني الركن البرلماني المعارض يركّز على 'سلة إجراءات' في مجال مكافحة الاحتكار، مأخوذة (مكافحة الاحتكار) كمثال عن إجراءات الحكومة، ومن الواضح انه 'يتخلل' كلام الحسيني 'شك' بالحكومة ورئيسها رفيق الحريري، وهذا هو العنوان الأبرز لمعارضته في السياسة المباشرة.
'التجدد الديموقراطي'
واذا كان الرئيس الحسيني 'نموذجا' أوّل للمعارضة في المجلس النيابي، فثمة نموذج آخر هو النائب نسيب لحود.
لم تعارض 'حركة التجدد الديموقراطي' التي يترأسها النائب لحود رفع حماية الدولة عن الوكالات الحصرية في المبدأ كما الحسيني لكن بيانا صادرا عن لجنتها التنفيذية الاسبوع الماضي دعا الى ضمان حقوق المستهلك وعدم ضرب حصة لبنان من التجارة الخارجية'، وطرح مجموعة من الاسئلة تتعلق بانعكاس رفع الحماية عن الحصرية على جودة البضائع ونوعيتها وبالاجراءات المصاحبة لإلغاء الحماية والمتممة لها، وبانعكاس الخطوة في التجارة الخارجية على حصة التجار اللبنانيين في السوق اللبنانية... وعلى سوق الاعلان ووسائل الاعلام الخ.. ينتهي البيان على تشكيك 'بغياب الشفافية (...)'.
لا ترغب مصادر 'حركة التجدد الديموقراطي' في الاقتصار على مشروع قانون رفع حماية الدولة عن الوكالات الحصرية مثالا، بل تسعى الى 'التعميم' فتقول ان ثمة علاقة للنزف في المجال الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية ب'دائرتين رئيسيتين، الدائرة السياسية اللبنانية من ناحية ودائرة العلاقات اللبنانية السورية من ناحية اخرى'، وان الاصرار الذي تبديه الحكومة على اقتصار المعالجة في الدائرة الاقتصادية 'لا ينتمي الى الشفافية بشيء'.
وتضيف انه يمكن 'ألا يكون هناك خلاف جذري مع الحكومة اذا اقتصر الأمر على الدائرة الاقتصادية، لان الوصفة معروفة'، لكن ثمة خلافا مع ذلك على 'الحلول بالضرائب'. وتوضح ان 'أكبر نزيف يحصل من خلال خدمة الدين التي تتجاوز إيرادات الخزينة، وبدلا من ان تعطي حكومة الرئيس الحريري الاولوية لمعالجة خدمة الدين التي تمثل النزيف الاكبر تركز في المقاربة على زيادة الموارد بالضرائب لتعويض خدمة الدين وهذا سباق خاسر'.
وتلفت مصادر 'حركة التجدد' الى ان معالجة خدمة الدين 'ليست سهلة'، لكن 'تخفيض الفائدة ضروري'، وتقول ان ثمة إمكانا للبحث مع المصارف 'بما يؤدي الى تنزيل ثلاث نقاط، الامر الذي يوفر مليار دولار على الدولة، وهذا المليار يوازي ضعفي عائدات الضريبة على القيمة المضافة'، فالدعوة 'ليست الى إلغاء الضريبة على القيمة المضافة لكن للسير بالأمرين معا'.
وتقول ان 'إقناع المصارف' يتطلب ثلاثة عناوين، الاول هو 'تحسين البيئة السياسية الداخلية عبر قطع مزاريب الهدر مثلا'، والثاني هو 'تحسين بيئة الحوار بين الفرقاء اللبنانيين بحيث يتم تنفيس الاحتقان الطائفي السياسي وإلغاء الفوارق في مشاركة الفئات اللبنانية'. أما الثالث فهو 'إحراز تقدم على خط تحسين العلاقات مع سوريا، ذلك ان أي تحسين في العلاقات من خلال إضفاء طابع محترم عليها يفك الارتباط بين المواقع المافياوية في الجانبين ووضع خط أحمر على المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالصراع العربي الاسرائيلي.. من شأنه ان يشكل عاملا إيجابيا'.
وتشير الى ان 'هذا كله، مضافا اليه ثقل الحريري وما يمثل من علاقات، يجعل من الممكن الطلب الى المصارف أكثر من 3%، خاصة ان الفائدة العالمية تراجعت'، أي 'ان التحسين السياسي، وهو القيمة المضافة في السياسة، يمكن مقايضته ببضع نقاط في الفائدة فيعطي مرتين عائد الضريبة على القيمة المضافة'. وتعرب المصادر نفسها عن اعتقادها بأن 'ترك الفائدة يخلق سباقا فيه استنزاف بكل معنى الكلمة، فإما ان يخرج السوق نفسه ويفرض تصحيحا قسريا للأوضاع النقدية، او ان تضطر السلطة الى تصحيح الأسعار ومن بينها سعر الليرة بخفض قيمتها فتدفع الفئات الشعبية الثمن'. وتؤكد 'نريد تجنيب اللبنانيين هذين السيناريوهين'.
'القيمة المضافة' السياسية
تربط 'حركة التجدد الديموقراطي' التطور الاقتصادي بالتحسين السياسي الذي تعتبره 'القيمة المضافة' الرئيسية. وتؤكد ان مداخلة النائب نسيب لحود في جلسة مناقشة الموازنة 'لم تصبّ على الرئيس الحريري بل هي وزّعت المسؤوليات بين أطراف السيبة السياسية القائمة المحتكرة للسلطة والرافضة توسيع المشاركة'.
وتكشف ان ذلك الترابط 'موضع نقاش داخلي في الحركة ومع الفرقاء السياسيين، لا سيما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي واللقاء النيابي الديموقراطي النائب وليد جنبلاط ومع المنبر الديموقراطي وأطراف لقاء قرنة شهوان'. وتوضح ان جنبلاط 'يجمع بين مشاطرة نسيب لحود مداخلته في مجلس النواب والحرص على الرئيس الحريري الذي يمثّل حيوية كبيرة'.
وتكشف ايضا ان مشروع مذكرة بين هذه الأطراف بات شبه جاهز و'يرتكز الى عدة محاور'. والمحاور الرئيسة هي 'تقويم القراءة المشتركة في الشق السياسي الداخلي، وضع الحريات الديموقراطية، الجانب الاقتصادي الاجتماعي، العلاقات اللبنانية السورية، وادارة الصراع مع إسرائيل'، لافتة الى 'ترابط هذه المواضيع'، والى ان 'تقديم هذه المذكرة الى القمة العربية في بيروت ليس محسوما بعد'.
معارضتان.. ومشكلة 'اللقاء التشاوري'
من الواضح في ضوء هذه المقدمات ان ثمة نموذجين للمعارضة، يمثل الرئيس الحسيني الاول والنائب لحود الثاني، وهما هنا مأخوذان كمثالين، في مقاربة عناوين بعضها يحظى بتأييد شعبي لافت (مثل رفع الحماية عن الحصرية). النموذج الاول، أي الحسيني، يربط الموضوع الاقتصادي بالسياسة، لكن من مدخل معارضة الحكومة ورئيسها رفيق الحريري بشكل خاص، ولا يبدي تخوفا كبيرا من دور الاجهزة الامنية لجهة قدرتها على فرض نظام شبه عسكري يرى استحالة قيامه في لبنان لأنه يتنافى و'طبيعة لبنان' و'نظامه الجمهوري البرلماني الديموقراطي' و'ميثاق العيش المشترك'، ويأمل في قيام مؤسسات الدولة. ويرى انه 'بعد ان أنجزنا اتفاق الطائف نحن ملتزمون بتطبيقه في كل شيء ولا تجوز الانتقائية'، مضيفا ان تطبيقه 'سيتيح اكتشاف العلة'.
وإذ لا يفوت الحسيني التذكير بأن 'معالجة الامور تكون بالارتفاع الى مستوى الدور الحقيقي للبنان الذي لا معنى له الا بكل فئاته وخصوصا المسيحيين'، يسأل 'هل ان سوريا تريد فعلا ان يكون هذا الخلل الفاضح?'، ليجيب ان هذا كلام 'غير صحيح'.
النموذج الثاني، أي لحود، في المقابل، يرى الترابط بين الاقتصاد والسياسة على النحو المشروع آنفا، وهو وان كان 'يصيب' الحريري الا انه يذهب الى مدارات أوسع ولا 'يتمحور' ضد الحريري. وفي هذا السياق تقول مصادر 'حركة التجدد' ان ثمة تقاطعا بينها وبين الرئيس الحسيني'. بيد انه 'للانتقال من التقاطع الى العمل المشترك لا بد من الأخذ في الاعتبار ما أنجزته المعارضة سياسيا وعدم التصرف وكأننا نبدأ من الصفر'. وتضيف ان 'التواصل بين لحود والحسيني لم ينقطع'، لكنها تعرب عن اقتناعها بأن 'أي لقاء لا بد ان ينطلق من قاعدة واضحة من حيث القراءة الشاملة، ذلك انه بفعل الترابط بين القضايا لا يجوز للخطاب ان يكون جزئيا'.
لا يعلّق الرئيس الحسيني مباشرة على ما تورده مصادر 'حركة التجدد'، لكن من الواضح ان ثمة مسافة سياسية بين ما يطرحه على الصعيد السياسي، وما تطرحه 'حركة التجدد' وحلفاؤها.
وهذان النموذجان المقدمان آنفا، يلقيان من دون شك بعض الأضواء على 'المآل' الذي وصل اليه المسعى الذي يقوم به الحسيني لتشكيل 'لقاء تشاوري' معارض. فمن الواضح ان توسيعه يصطدم ب'عقدة' الخطاب بين الاطراف، لا سيما بين محور جنبلاط نسيب لحود قرنة شهوان المنبر الديموقراطي من جهة، والحسيني كرامي الحص وغيرهم من جهة اخرى، كما يصطدم بالموقع المحوري لجنبلاط الممسك بالتحالف مع المعارضة 'الأكثر جذرية' وبالعلاقة مع الحريري لعدة اعتبارات من بينها عرقلة 'المشروع الأمني'.
وإذ يصرّ المحور الأول على اعتبار خطابه 'لبنانيا شاملا'، يبدو ان الحسيني يرى فيه خطابا ضيّقا يريد جعله 'وطنيا شاملا'... ليبقى 'اللقاء التشاوري' في ضوء ذلك معلقا في انتظار معطيات جديدة.
المقاربة السابقة لم تهدف الى إبراز المواقف من معالجات اقتصادية واجتماعية للحكومة فحسب، وهي تبرز على كل حال ان ثمة تشكيكا حتى عندما يتعلق الامر بمطلب شعبي 'تاريخي' ضد الاحتكار والغلاء، انما هدفت الى تسليط الضوء على ما يمكن ان تحفل به مجددا جلسات المناقشة النيابية، وعلى استمرار 'انشقاق' المعارضة وتعبيراتها في المجلس النيابي.
للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF