كلمة النائب نسيب لحود في جلسة مناقشة موازنة 2003
دولة الرئيس، ايها الزملاء.
هذه السنة، تختلط السلبيات بالايجابيات، السلبيات المعهودة والمتفاقمة ببعض الايجابيات الناشئة والمحدودة. نبدأ بتعداد الايجابيات، وقد ظهر منها في الداخل في الاسابيع الاخيرة ثلاثة، هي:
1) اطلاق عملية اعادة هيكلة الدين العام بالحوار والتفاوض مع المصارف،
2) التخلي عن مواد مجحفة في الموازنة بالحوار والتفاوض مع النقابات المعنية،
3) اتخاذ خطوة نوعية على طريق الاصلاح الضريبي، هي الضريبة على فوائد الودائع.
فضلا بالطبع عن مؤتمر باريس-2 الذي يبقى انعقاده علامة اهتمام دولي خاص بلبنان.
ونأمل ان تكون هذه الايجابيات قد املاها، فضلا عن الضغوط الاجتماعية والضرورات النقدية، قرار شجاع وحكيم بالتخلي عن المكابرة، التي صبغت سلوك السلطة في الآونة الاخيرة، كل السلطة وفي كل الميادين. اذا، نأمل ان تكون هذه الايجابيات قد املاها قرار بالتخلي عن المكابرة، وبدء الاصغاء الى الآخرين، موالين ومعارضين، سياسيين وخبراء وقطاعات اقتصادية ونقابيين، والحوار الجدي والموضوعي معهم بمعزل عن ميزان القوى والمواقع، والاخذ بمطالب بعضهم المحقة، والاقتناع بالاقتراحات الصائبة للبعض الآخر، واجراء التعديلات والاصلاحات المترتبة عن هذا وذاك. تلك هي الميزة الاهم للنظام الديموقراطي، لا بل القيمة المضافة الابرز للممارسة الديموقراطية.
ان اعادة هيكلة الدين العام، كانت وما زالت يا دولة الرئيس، حجر الزاوية ونقطة الانطلاق لاحتواء الازمة المالية ولاجراء اي عملية اصلاح مالي ناجحة، تماما كما طالبنا السنة الماضية وفي جلسة الموازنة بالذات. غير اننا نصر ان تكون عملية اعادة الهيكلة شفافة وعادلة، وان تتوزع اعباء الوفر الذي ستجنيه الخزينة من تخفيض الفوائد بعدل وانصاف بين المودعين والمستلفين من ناحية والمصارف من ناحية ثانية، فتخفض الفوائد على التسليفات، تماما كما خفضت على الودائع، وهذا امر لم يتحقق بعد. واذا لم يتحقق تكون خلاصة العملية مجرد انتقال للعبء من الخزينة الى المودعين، وركود للاقتصاد بسبب بقاء الفائدة المدينة على مستويات مرتفعة.
مع اصرارنا على اعادة هيكلة الدين، نطالب ان تكون هذه العملية عادلة وشفافة، كي تتوفر لها فرص النجاح. كذلك، وفي ضوء ما نراه من استسهال لابدال الدين بالليرة اللبنانية بدين جديد بالعملات الاجنبية، نحذر من هذا المنحى المقلق ونقول: اوقفوا دولرة ديون لبنان. ان السمة الاهم لديون لبنان، وهي التي تميزه عن الارجنتين مثلا، هي ان ديون لبنان كانت حتى الامس القريب، محررة، بغالبيتها، بالليرة اللبنانية. اما اليوم، وبعد اصداري اليوروبوند الاخيرين بقيمة 1870 مليون دولار و950 مليون دولار، فقد اصبحت الديون الخارجية للبنان تناهز ال 15 مليار دولار وتشكل حوالى 50 % من اجمالي الدين العام. وعملية التحويل هذه ذاهبة الى تصاعد. فالحكومة ما زالت تملك صلاحية تحويل حوالى 4 مليارات دولار اخرى من اصل ال 7 مليارات دولار التي منحها اياها المجلس الشهر الماضي. وهي لم تكتفي، اذ تطالب ب 4 مليارات دولار اضافية من خلال محاولة تعديل المادة 5 من قانون الموازنة الذي بين ايديكم، ضاربة عرض الحائط تعهدها للمجلس النيابي، بأن تتخلى في الموازنة عن اصدار اي سندات يوروبوند جديدة، وتعهدا آخرا بالا يتجاوز حجم الديون الخارجية ال 50 % من اجمالي الدين العام.
ان اعطاء الحكومة صلاحيات استقراض جديدة، واستمرارها بسياسة دولرة الدين، يشرع الابواب امام وصول الديون بالعملات الاجنبية الى ما يزيد عن ال 23 مليار دولار،اي اكثر من 75 % من اجمالي الدين العام. من الواجب ايها الزملاء وضع حد لهذا المنحى الخطيرالذي يزيد من درجة انكشاف لبنان حيال الخارج، اقتصاديا وسياسيا. ولا يجوز تعريض السيادة المالية لمخاطر اعظم بذريعة تحقيق وفر آني اكبر. كما لا يجوز ان ترفع الدولة من درجة مخاطرها واثقال كاهلها بالديون الاجنبية، في حين تحرص المصارف والدائنون الآخرون على تقليص مخاطرهم وتنويع عملات محفظاتهم. من الواجب، ومن الممكن، وفي الوقت نفسه، اعادة هيكلة الدين العام وحماية السيادة المالية للدولة، من دون ان تتعارض هذه مع تلك. نريد ادارة للدين العام تنجز هذه وتحمي تلك، ومن الخطأ الجسيم ارغام اللبنانيين على الاختيار بين اعادة هيكلة الدين العام وحماية السيادة المالية للدولة.
الايجابية الثانية يا دولة الرئيس، هي التخلي عن مواد مجحفة كانت مدرجة في مشروع الموازنة. هذه المواد كانت تهدد الامن الاجتماعي والحقوق البديهية المكتسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين، هم الاساتذة والموظفون والمتقاعدون. وقد تحققت هذه الايجابية بالتفاعل بين مواقع ثلاثة: لجنة المال والموازنة؛ الرأي العام؛ وطاولة الحوار والتفاوض. وهذا نموذج جيد عن الممارسة الديموقراطية، حيث قام كل بواجبه ودوره. فهيئة تنسيق الروابط عرفت كيف تقود تحركا مطلبيا ديموقراطيا ومستقلا عن المواقع السياسية والسلطوية، ولجنة المال والموازنة، ومن خلفها البرلمان والحكومة، قامت بما يلزم والغت المواد المجحفة، كل ذلك من ضمن حوار عقلاني مفتوح امام الرأي العام. وفي هذا الفصل الناجح من العمل النقابي والسياسي والتشريعي امثولة مفيدة عن الاحتجاج الديموقراطي والتفاوض والحوار الموضوعي والاخذ بالرأي الصواب، مهما كان مصدره، مواليا كان او معارضا. وهذه كلها من صلب مكونات الديموقراطية، لا بل من صلب مزاياها وفوائدها.
اما الايجابية الثالثة يا دولة الرئيس، اي قرار ادخال ضريبة ال5 % على فوائد الودائع، فهي، على محدوديتها ورمزيتها، خطوة نوعية في الاتجاه الصحيح. للمرة الاولى تتجه انظار السياسة الضريبية وانظار الاقتطاع الضريبي نحو المداخيل الريعية، كما في البلدان المتقدمة اجتماعيا واقتصاديا. وكي يأخذ هذا الاجراء معناه الاجتماعي والاقتصادي كاملا، يجب ان يقتصر على المقيمين دون سواهم، تشجيعا لجذب الودائع من الخارج، كما يجب ان يطال من الآن فصاعدا سندات الخزينة الجديدة بمختلف العملات. نعم ايها الزملاء، هذه خطوة نوعية في الاتجاه الصحيح، وان كانت تلقي اليوم بعض العبء على اصحاب الودائع الصغيرة. لكن هذا الظلم يمكن تلافيه مستقبلا، بعد اقرار نظام الضريبة الموحدة على الدخل، حيث يفترض ان تصبح عائدات الفوائد على الودائع المصرفية للمقيمين جزء' من الدخل الموحد للفرد او للاسرة، مع هامش تنزيلات واعفاءات واسعة لاصحاب الدخل المنخفض والمحدود.
اذا تم هذا الامر من دون تحريف او تشويه، تحقق قدر من العدالة الضريبية ويعود الى الضريبة شيء من وظيفتها الاجتماعية، بعدما اقتصر دورها حتى الآن على الناحية التمويلية. فالشعب اللبناني الذي سيدفع على الضرائب هذه السنة 18 % من ناتجه المحلي، اي ما يعادل 4650 مليار ليرة، منها 553 مليار ليرة ضرائب جديدة، هذا الشعب يستحق نظاما ضريبيا اكثر عدلا واكثر انماء.
من ناحية ثانية، يقتضي الاصلاح الضريبي الشامل تفعيل الدور الاقتصادي والانمائي للضريبة، عبر مزيج من الحوافز والاعفاءات تهدف الى رفع مستوى الانتاجية والقدرة التنافسية وكسب مساحات جديدة في الاسواق الخارجية وتشجيع المشاريع الانتاجية في المناطق المحتاجة.
هذا ما قصدناه السنة الماضية، وفي مثل هذه الجلسة بالذات، عندما طرحنا، الزميل مصباح الاحدب وانا، باسم حركة التجدد الديموقراطي اعادة هيكلة النظام الضريبي من ضمن برنامج رباعي متكامل لاعادة الهيكلة محاوره الثلاثة الاخرى هي: اعادة هيكلة الدين العام (وقد سبق وتحدثت عنها بداية)؛ اعادة هيكلة القطاع العام؛ واعادة هيكلة الادارة السياسية للبلاد.
هذه اربعة معابر الزامية لا بد من سلوكها، عاجلا ام آجلا، من اجل حل الازمة والخروج مما يتخبط به وطننا من مآزق ومما يهدده من اخطار، ومن اجل وضعه على سكة التعافي والتنمية والازدهار. وكما اكتشفت الحكومة في الاسابيع الاخيرة، حتمية اعادة هيكلة الدين العام، ولامست اكتشاف حتمية اعادة هيكلة الضرائب والرسوم، نرجو الا تطيل في اكتشاف المتبقي، الضروري والحتمي، اي اعادة هيكلة القطاع العام، واعادة هيكلة الادارة السياسية للبلاد.
لكن، لماذا اعادة هيكلة القطاع العام؟ لماذا اعادة هيكلة الادارة السياسية للبلاد؟ لأن الازمة المالية التي يتخبط فيها لبنان لم تولد من فراغ ولا من كارثة طبيعية، او زلزال او فيضان. والقول ان حروب الامس هي المسؤولة عما يصيبنا اليوم ليس الحقيقة كاملة، بل هو اقل من ربع الحقيقة، لأن ما انفق على اعادة اعمار ما دمرته الحروب لا يتجاوز ال10 % من مجموع ما مر عبر الدولة في السنوات العشر الاخيرة من موارد واموال.
الازمة المالية، ايها الزملاء، نشأت في رحم الدولة، او شبه الدولة، التي نعيش منذ فترة. فالدولة، التي كانت مختلة التوازن قبل الحرب، والغائبة او المشلولة خلال الحرب، تحولت بعد الحرب، وخلافا لارادة الغالبية العظمى من اللبنانيين، الى ماكينة ضخمة للانفاق ولتحصيل الثروة والتوزيع الاعتباطي للمكاسب والريوع، وفقا لمعايير القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي.
وقد ادى هذا التشويه لدور الدولة الى اختلال وظائفها الاساسية، التنظيمية والرعائية والخدماتية. فتم تضخيم الاجهزة والاسلاك الامنية والعسكرية، كما تم تقسيم الادارات والمؤسسات والمجالس والصناديق الى محميات محشوة بالازلام والمحاسيب، واصبحت وظيفتها الرئيسية تأمين الولاء والشعبية لهذا الطرف او ذاك من الاطراف المشاركة في السلطة. ومن اجل تغطية اكلاف هذه البنية المتضخمة وغير المنتجة، التي تراكبت فوق الادارة العامة الاصلية والقطاع العام الاصلي، وتكاد ان تخنقهما، تحولت الدولة ايضا الى ماكينة ضخمة للاستدانة وماكينة ضخمة لفرض الضرائب.
والقانون الاسمى الذي يحكم عمل هذه الماكينة، ماكينة الانفاق والاثراء والهدر والاستدانة والضرائب، هو قانون المحاصصة وصرف النفوذ. وكل الحروب التي تخاض مباشرة او بالواسطة، تحت عناوين كبيرة جذابة، مثل احترام القوانين وحماية المال العام وتحصيل حقوق الدولة، لا تشذ عن هذه القاعدة. وفي ظل هذا القانون الاسمى، أي قانون المحاصصة وصرف النفوذ، يضحّى بالقانون الحقيقي وبدولة القانون ويسخر القضاء وتنتهك المؤسسات وتسفك الحريات وتقفل محطة 'ام.تي.في' وتلغى الانتخابات. والبعض لا يحرك ساكنا ولا يرفع صوتا، الا عندما تمس مصالحه، او تصل الموسى الى ذقنه.
واليوم توشك هذه اللعبة ان تصل الى نهايتها. فعبء الضرائب اصبح لا يطاق، وضرع الاستدانة بدأ يجف. واهل السلطة باتوا يدركون هذا الامر وذاك. وابلغ تعبير عن هذا الادراك ما جاء في الفقرة 51 من تقرير الحكومة الى مؤتمر باريس-2 ، وحرفيته ان 'غياب الدعم الخارجي للبنان قد يطيح باستقراره المالي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي'.
من هنا اقتناعنا الراسخ في حركة التجدد الديموقراطي ان الازمة المالية وازمة المديونية ما هما الا العوارض الخارجية المتفشية لداء عضال ينخر جسم الدولة في العمق منذ سنوات. ان تقليص العجز وكسر طوق الاستدانة يتطلبان معالجة الجذور العميقة المولدة للانفاق السياسي والهدر، فالعجز والاستدانة. ومن هنا دعوتنا الى اعادة هيكلة القطاع العام، بحيث تعود مؤسساته المدنية والعسكرية الى وظائفها الاصلية كما في اي دولة ديموقراطية حديثة،وبحيث يعود حجمها الى ما يتناسب مع الحاجات والوظائف الاصلية لهذه المؤسسات والاجهزة. ومن هنا دعوتنا الى اصلاح الادارة السياسية للبلاد، لمواكبة رحلة العودة من نظام شبه الدولة السائد اليوم الى نظام الدولة، الدولة الحقيقية التي تحترم دستورها وتحترم ارادة ناخبيها وحرياتهم، وتحترم استقلالية قضائها.
الازمة المالية نشأت في ظل الدولة، او بالاحرى، في ظل غياب الدولة. واصلاح الدولة هو الحاضنة السياسية للاصلاح المالي والاقتصادي، من دونه عبثا نبحث عن رجاء.
ختاما يا دولة الرئيس، يلقي علينا المسؤولون طوال النهار محاضرات عن ضرورة توحيد الصفوف تحسبا للزلزال القادم. نحن وكثيرون غيرنا في المعارضة على اتم إستعداد للتلاقي والتحاور وتنقية الأجواء واتخاذ خطوات متبادلة لبناء الثقة بين السلطة والمعارضة، على ان تقوم السلطة بخطوات عملية تؤشر فعلا لا قولا على إستعدادها للتراجع عن إنتهاكاتها بحق الحرية والديموقراطية. أما إذا كان المقصود بتوحيد الصفوف أن تخرس المعارضة وتلتحق، فنحن باقون الى جانب حرية شعبنا حريصين على تأمين أكبر قدر من المناعة الوطنية وفق ما يمليه علينا في هذه المرحلة الدقيقية ضميرنا الوطني والقومي.
وشكرا.