آخر تحديث: الثلاثاء 21 تشرين الثاني 2017 - 11:41 AM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




أخبار التجدد

كلمة الرئيس فؤاد السنيورة
في حفل إحياء ذكرى نسيب لحود

الثلاثاء 19 حزيران 2012

كل واحد منا عليه أن يواجه لحظات محرجة وصعبة، فالحياة مزيج من القسوة والمعاناة والسعادة والنجاح والفشل، لكن أصعب اللحظات، هي حين يجد الواحد منا نفسه في موقف لم يكن يتوقعه أو لم يكن يريده، أو على العكس مما كان يأمل، كما هو حاصل معي الآن.

فقد كنت قد وطنت النفس والذات والأماني، أنا وكثر غيري، أن نرى نسيب لحود في موقع المسؤولية والمبادرة، لكي نتشاطر معه عيش الحلم، الحلم بالإصلاح، الحلم ببناء دولة مدنية، دولة قوية ومنفتحة وتتسع للجميع. لهذه الأسباب أجد نفسي اليوم في موقف صعب لم أكن أريده.

أحبائي عائلة الصديق الراحل،
السادة في حركة التجدد الديمقراطي،
أصحاب المعالي والسعادة،
أيها اللبنانيون،
أيها الحفل الكريم،

لقد تحدث المفكرون الأوائل عن عالم المُثُل، ففي كل جانب من جوانب الحياة هناك مثال نتطلع إليه ونعمل لكي نتطابق معه ونقارن الأشياء به، فللجمال مثال وللعدالة مثال وللنزاهة مثال وللصلابة مثال... إلى غيرها من الصفات التي تعلق تفكيرنا وسلوكنا بها.
والحقيقة أن راحلنا الكبير قد اجتمعت فيه كمية كبيرة من صفات المثال، لهذه الأسباب كانت الحرقة والحسرة والصدمة، هي المؤشرات الغالبة التي رافقت هذا الغياب المفاجئ والمؤلم، لرجل عرفناه فاحترمناه وأحببناه وكنا نشعر بالراحة والثقة بأنه موجود بيننا نعمل معه ويعمل معنا من اجل تحقيق ما حلمنا به.

أعزائي،
أيها الحضور الكريم،
لقد كان نسيب لحود إنسانا مميزا بكل المعاني، ابرز صفاته الإنسانية انه كان نبيلاً مترفعا ونزيها في تعامله مع الناس، بمعنى انه كان يعامل الآخرين باحترام ونبل كما كان تماما يريد أن يكون التعامل بين كل البشر. لا كذب، لا مداهنة ولا تلفيق أو تدليس. وفي الوقت عينه لا عجرفة أو تكبر، مع قدر كبير من النزاهة الفكرية والأخلاقية. وفيٌ للأصدقاء، وغير متقلب مع غير الأصدقاء.
واضح وصريح كان نسيب لحود، صادق شفاف منسجم مع أفكاره، يعمل حسبما يفكر ويؤمن ويقتنع، عصامي بامتياز، ولا انفصال لديه بين القناعة والممارسة.
باختصار كان نسيب لحود مثالُ الرجل المحترم.
هذا ما عرفته من نسيب لحود الإنسان، أما نسيب لحود السياسي فقد عرفناه جميعاً. فحين اندلعت المحنة الداخلية في السبعينيات، فضل نسيب لحود أن يبتعد ويجلس جانبا، مع انه ابن بيت سياسي عريق له موقعه واتجاهه وقناعاته.
جلس جانبا ولم يفكر في أن يؤلف جماعة أو تنظيما أو يلتحم بعصبية أو طائفة، لكن نسيب لحود لم يتردد في أن ينحاز إلى جانب الأغلبية من الشعب اللبناني. أي أن ينحاز نحو وحدة اللبنانيين نحو السلام نحو التماسك ونحو إعادة البناء ونحو نهضة لبنان.
وحين انعقد الحل في الطائف انخرط نسيب لحود في الحياة الدبلوماسية والسياسية واختار الدولة في مقابل الفوضى، والاندماج مقابل التباعد، والايجابية بدل السلبية والتأقلم والانفتاح، بدلا من التقوقع والانغلاق، والمبادرة بديلا للتراجع.
اختار نسيب لحود الديمقراطية والحرية والدولة المدنية، والليبرالية الاقتصادية بدل الاستبداد والديكتاتورية والتفرد والتوتاليتارية.
كان نسيب لحود نصير العيش المشترك الإسلامي المسيحي، والدولة الواحدة في وجه الدويلات. وقف إلى جانب الإصلاح في مواجهة الفساد، مؤيدا الشفافية، مطبقاً قولاً وعملاً فصل العمل العام عن الخاص بصلابة ووضوح.
كان نسيب لحود، نموذجاً في تحكيم النزاهة في الخصومة والنزاهة في الصداقة والنزاهة في العمل السياسي وعلى وجه الخصوص في فصل العام عن الخاص.
إلا أن أهم من كل ذلك، فان نسيب لحود كان ركيزة أساسية من ركائز ثورة الأرز وانتفاضة الاستقلال وحين انطلق الربيع العربي تنشق نسيب لحود أريجه ونظر إلى المستقبل بأمل وتطلع نحو الانعتاق من أثقال الماضي للخروج من الاستثناء العربي إلى فضاء التغيير والتطوير والإنماء والبناء.
باختصار، كان نسيب لحود ركنا من أركان الديمقراطية والعدالة والحرية الفكرية والاقتصادية، بمعنى آخر كان ركنا كبيرا من أركان لبنان ونكهة مميزة جدا بين رجال السياسة.
وإذا لامسنا نسيب لحود الإنسان والسياسي لن ننسى نسيب لحود صاحب الرؤية في الإصلاح والتطوير. هو الذي نظر إلى الأمام وأطلق رؤيته من اجل الجمهورية طارحا مشروعه من اجل لبنان الغد، هذا المشروع الذي ما يزال يطرح نفسه علينا الآن وفي المستقبل، وسأكتفي بان أعيد طرح بعض الأسئلة التي سبق أن طرحها فقيدنا الكبير حيث سأل حين أطلق رؤيته قائلاً:
كيف نحمي صيغة العيش الواحد المشترك؟
- كيف نستعيد النظام الديمقراطي وآليات عمل المؤسسات الدستورية؟
- كيف نبني اقتصادا حديثا تنافسيا يرفع مستوى معيشة اللبنانيين؟
- كيف نطلق آليات مستدامة لمكافحة الفساد؟
- كيف نحفز حركة الإبداع والفكر والثقافة والفن والتربية والتعليم؟
- كيف نرسخ آليات طوعية لتجاوز الواقع الطائفي؟

كان نسيب لحود إنسانا راقيا وسياسيا لامعا وفريدا ومؤثرا وصاحب نظرة كبيرة إلى الأمام، فقدناه وفقده لبنان وترك بغيابه فراغا كبيرا لا أرى حتى الآن أننا قادرون بيسر على تعويضه.

رحم الله نسيب لحود الإنسان الكبير، والصديق العزيز، والحلم الأثير الذي لا بد أن يعود ويظهر بعائلته ورفاقه ونهجه، ليبقى لبنان.
 


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى أخبار التجدد       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: