آخر تحديث: الجمعة 26 أيار 2017 - 04:09 PM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




أخبار التجدد

كلمة النائب بطرس حرب
في حفل احياء ذكرى نسيب لحود

الثلاثاء 19 حزيران 2012

ليس أشقّ على الإنسان من أن يقف في حضرة موت صديق وأخ وعزيز كنسيب. فمهما أردت إنصافه فأنت عاجز مقصّر.
حول نسيب لحود نلتقي اليوم، لا لنرثيه، وهو لا يحتاج منا أن نرثيه، ولا لنقيم مناسبة عزاء، بل لنلقي الضوء على من شكّل علامة قيمية ساطعة في ليل الإسفاف والانحطاط السياسي.
نسيب لحود، مع قلّة من أقرانه، من رعيل السياسيين الذي التزم القيم في ممارسته لمسؤولياته في الشأن العام، فكسر مفهوم السياسة الضيق، ووسّع أفقه وأعلى شأنه، وجعله يتصل إتصالاً وثيقاً بكرامة الوطن والمواطن.
فنسيب لحود لم يتاجر يوماً بالقيم، لم يساوم أبداً على المبادئ، ولم تضعفه مرة المغريات. دفع الأثمان الغالية، وفوّت الفرص والمناصب العالية، لأنه أعتبر العمل السياسي ممارسة مرتبطة بالكرامة والنزاهة والتضحية. فهو من الذين أعطوا للممارسة السياسية بريقها ورفعوا من مستوى أدائها، وأثبتوا أن ممارسة السياسة بعلم وثقافة ومعرفة ومسؤولية، هي السبيل الوحيد لتطوير المجتمع وحماية الدولة والمحافظة على أسس الوطن.
لم يعتلِ نسيب لحود منبراً إلا وتميّز بأسلوب علمي موضوعي، فشكّل مدرسة في الممارسة السياسية الراقية المعتمدة العلم والحجة والمنطق والهدوء والصلابة.
لم يتنازل نسيب لحود يوماً عن القيم الأخلاقية وعن الكرامة والعنفوان، ولم ينزلق إلى وحول الأمر الواقع وأوساخه، ولا سيما عندما انفلت الميزان الوطني والسياسي بين الجماعات اللبنانية، وانهار نظام القيم، واختلطت المعايير، وتفشى الفساد الأخلاقي، وآُلّه المال.
لأن نسيب لحود جمع كل هذه الصفات، ولأنه كان طائراً يغرّد خارج سرب السياسة ألانحطاطي، نتحلّق حوله اليوم، لا لرثائه، بل لتكريمه.

أيهــا السيــدات والســادة،

لأنه جمعتنا بنسيب لحود قيم هذه الأرض الأبية وقيم أهلها الميامين، وهي قيم مُدّت من صلابة هذه الجبال وعنادها وكبريائها وشموخها. ولأنه جمعتنا معايير السياسة الوطنية الواحدة، التي نفهمُها على جوهر حقيقتها، لا بما آلت إليه في أزمنة التبعية والانحطاط والمهاترات.
ولأنه جمعتنا قيمُ الديمقراطية والحرية والسيادة والكرامة والاستقلال، لا باعتبارها شعاراً فحسب، بل باعتبارها ممارسةً لا حياد عنها، أيا تكنِ التحديات والمشقات والمغريات، وأياً تكن التضحيات والشهادات.
ولأننا نفتقد قيم الصدق والسلاسة والدبلوماسية والدماثة وحسن التصرف واللياقة واحترام الآخر واحترام الذات.
لهذا كله، نتحلّق حول ذكراك، أيها الزميل والرفيق والصديق. وأسمح لي أن أؤكد لك أننا اعتزيّنا بزمالتك ورفقتك وصداقتك.

أيها الأصدقاء،

أسمحوا لي الآن أن أنتقل من التحدث عن نسيب لحود إلى التحدث إليه .
فالحديث عنه فعل ماضٍ، والحديث إليه فعل حاضرٍ ومستقبل،
والحديث عنه هو ذكريات، وموجعة هي الذكريات،
الحديث إليه هو الحلم، وجميلة هي الأحلام،
فإلى نسيب الحاضر الكبير، ولا أقول الغائب الكبير أتوجه:

عزيزي نسيب،

- نعم لقد جمعتنا علاقة عائلية مميزة وموروثة لا فضل لأحد منا فيها. إلا أن صداقة عميقة قامت بيننا، صداقة نمت عبر سنوات النضال المشترك، عبر الآلام والأحلام المشتركة، خلال سنوات العمل من أجل بناء الدولة المستقلة التي حلمنا بها معاً، والتي أمّنا بها، لكي ينعم اللبنانيون بالاستقلال والحرية والكرامة. وكم أتمنى لو أن الله أمهلك لكي تبقى معنا لإكمال هذه المسيرة.

فيا حامل شعار التجدد الديمقراطي نشعر بفراغك الكبير، ولا سيما في ظل حركة التغيير الكبيرة الحاصلة من حولنا في المنطقة التي تنادينا كي نكون على مستوى تحديات المرحلة، وعياً وفعلاً وممارسة، فلا نخاف من حركة التغيير التي تطيح بأنظمة الظلم والاستبداد، ولا ننهزم أمام محاولات تخويفنا منها، ولا نبقى ضحايا الانغلاق والتقوقع ولا يبقى لبنان ساحة مستباحة للآخرين أو ورقة أبتزاز في أيديهم.
إن الديمقراطية وحرية الإنسان في تقرير مصيره، التي هدرت حياتك تبشر بها، تناضل من أجلها، وهي القيم الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات، والتي اشتركنا في حلم بنائها، تصبح مهددة في لبنان نتيجة بعض الممارسات الشاذة ، التي تكاد تفرغ ساحتنا السياسية من جوهر الديمقراطية والحرية والحوار وحقوق الإنسان.
يبقى لي معك حديث هامس حميم، عن تجربة المرض، وقد عشتها معك، ولو عن بعد وبشكل متقطع.
لقد واجهت مرضك العضال بإيمان وشجاعة قلّ مثيلها، فعلمتنا، كيف نقاوم المرض بابتسامة رضيّة، وكيف نتحدى الموت بالفرح والحياة والتصميم على الاستمرار في النضال من أجل ما نؤمن به.
لقد علمتنا أن نعيش داخل الجرح، أن نتناغم معه، وأن نتابع المسيرة ولا أستسلام.
لقد علمتنا ، وأنت في أسوأ مراحل مرضك، أن نصمد في وجه الأمراض التي أصابت جسد الوطن، ولقد صمدت وناضلت حتى الرمق الأخير، لقد رفضت الأصولية العمياء، والإرهاب المجنون، والطائفية والمذهبية المسمومة، والإستبداد والظلم والعنف والسلاح غير الشرعي..ولم تخلِ ساحة النضال يوماً، فواجهت المرض اللعين الذي دخل جسمك وواجهت في الوقت عينه أمراض الوطن.

وأسمح لي يا صديقي أن أعاهدك أننا سنتابع نضالك من أجل إنقاذ الوطن وتطهيره من الأمراض الخبيثة التي تتسلل إليه، وسنبقى رواداً للمحبة والأخوة والعقل، التي آمنت بهم .

أيها الأخ الصديق،

الدموع لا تليق بك، فلن نبكي، ولكننا نعترف، أمام الله وأمامك، أننا لا نزال بحاجة إليك، وسنفتقدك في كل معركة نخوضها من أجل تطوير الإنسان وحماية حرياته والدفاع عن حقوق لبنان الضائعة، وما أكثرها، ومن أجل تكريس وجهنا الحضاري الذي يحاولون تشويهه بمشاركة بعضنا للأسف.

وأخيراً، إلى أختي عبلا، إلى العائلة المفجوعة وإلى حركة التجدد الديمقراطي، تكرار العزاء وتأكيد الوفاء لذكرى أحد أهم الرجال في أيام ندر فيها الرجال.

أما أنت يا نسيب،
وحيث أنت، من دار الخلود، صلّي من أجلنا، من أجل لبنان، ومن أجل السلام، والسلام عليك وعلينا وعلى هذه الأرض.
 


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى أخبار التجدد       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: